الأمـانـة عند رسولنا صلى الله عليه و سلم طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 1
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.22
فهرست الصفحات
الأمـانـة عند رسولنا صلى الله عليه و سلم
الأمـيـن حـيـال الـوجـود كـلـه
دعـوة أمـتـه إلـى الأمـن
الـتـوكـل الـمـذهـل
يا بـراعـم الأمـل
 

ب-‏‏ الأمـيـن حـيـال الـوجـود كـلـه

وكما كان النبي صلى الله عليه و سلم أميناً على الوحي الإلهي، فقد كان أمينا حيال الوجود كله، لأن هذه الأمانة كانت قد ‏انغرست في أعماق قلبه وكيانه.‏

وللحادثة التالية التي ترويها صفية زوج النبي صلى الله عليه و سلم مغزى كبير عن الزهري قال: أخبرني علي بن الحسين ‏رضي الله عنه: أن صفية زوج النبي صلى الله عليه و سلم أخبرته: أنها جاءت رسول الله صلى الله عليه و سلم تزوره في ‏اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان. فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب، فقام النبي صلى الله عليه و سلم ‏معها يَقلِبها،[1] حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة، مرّ رجلان من الأنصار، فسلما على رسول الله صلى الله ‏عليه و سلم، فقال لهما النبي صلى الله عليه و سلم: «على رِسْلكما، إنما هي صفية بنت حُيَيّ.» فقالا: سبحان الله يا رسول ‏الله، وكبُر عليهما. فقال النبي صلى الله عليه و سلم: «إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في ‏قلوبكما شيئاً.»[2]‏

فهذا الشيطان الذي يجري من الإنسان مجرى الدم يستطيع أن يقذف في قلبه وفكره أشياء كثيرة. ولو كان هناك احتمال ‏ضئيل بنسبة واحد من ألف أو واحد من المليون. بورود سؤال على خاطرهما حول: من هي هذه المرأة التي بجانب رسول ‏الله؟ لوقعت حياتهما الأبدية في خطر شديد والعياذ بالله ولا نطفأ عندهم نور الإيمان. ولذلك نرى الرسول صلى الله عليه و ‏سلم -الذي هو مثال الرحمة والشفقة- يسرع للتدخل في الأمر فيظهر مدى أمانته هو، وينقذ في الوقت نفسه إيمان أصحابه ‏وأفراد جماعته.‏

كان هذا هو مبلغ اهتمامه بالأمن والأمانة، ولا عجب في هذا، ألم يكن اسمه "الأمين" قبل بعثته ونبوته؟[3] ألم يكن ألدّ ‏أعدائه يعترفون بأمانته؟ لقد كان أميناً إلى درجة لو أن أبا جهل وهو من ألد أعدائه سُئل أين يستطيع إيداع أثمن أمواله، بل ‏حتى عرضه وشرفه لما تردد في القول: "عند الأمي."‏

أجل، لما خطر بباله شخص آخر غيره... فهكذا كان مقدار أمانته عليه أفضل الصلاة والتسليم.‏

كان أميناً إلى درجة أن امرأة دعت طفلها قائلة: ها تعال أُعطك، فقال لها: رسول الله صلى الله عليه و سلم: «وما أردتِ أن ‏تعطيه؟» قالت: أُعطيه تمراً. فقال لها رسول الله صلى الله عليه و سلم: «أما إنكِ لو لم تعطيه شيئاً كُتبتْ عليكِ كِذبة.»[4]‏

ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يعد الكذب من علامات النفاق، ولأجل ذلك كان يحاول إبعاد الناس عنه قدر ‏استطاعته؛ لأن الكذب علامة من علامات النفاق الثلاثة، والأخريان هما إخلاف الوعد وخيانة الأمانة.[5] فعلى قدر بُعد ‏الرسول صلى الله عليه و سلم من النفاق كان بُعده عن خيانة الأمانة.‏

ولم تكن روح الأمانة ومفهومها عنده مقتصراً عنده نحو الناس فحسب، بل نحو الوجود كله. إليكم حادثة يرويها عبد الرحمن ‏بن عبد الله عن أبيه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حُمَّرَة[6] معها فرخان، ‏فأخذنا فرخيها فجاءت الحُمَّرَة فجعلت تَفرُش،[7] فجاء النبي صلى الله عليه و سلم فقال: «من فجع هذه بولدها؟ رُدّوا ولدها ‏إليها.»[8] فكأن ممثلي الأمن والأمانة على الأرض لا يليق بهم مثل هذه التصرفات.‏

أما صحابته الغُرّ الميامين الذين تلقوا منه النور والضياء فقد كانوا أمناء أيضا، فهذا هو أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه ‏الذي كان والياً على الشام في زمن خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن سمع أن هرقل يعد جيشاً ضخماً لاسترداد ‏الشام منه، ولم يكن مع أبي عبيدة حينئذ إلا نفر قليل لا يستطيع بهم الدفاع عن مدينة دمشق، إذ به يجمع سكان المدينة ويقول ‏لهم بأنه جمع الجزية منهم على أساس أن يدافع عنهم، وهو الآن لا يستطيع أن يدافع عنهم أمام هرقل؛ لذا، فإنه يرد إليهم ‏هذه الأموال لأنه لا يستطيع الاحتفاظ بها من غير وجه حق.‏

وهكذا ردت أموال الجزية لأصحابها، وأمام هذا المنظر الذي لا يُصدق هرع الرهبان والقسس إلى الكنائس والأديرة ‏وتضرعوا إلى الله أن يبقي المسلمين وأن ينصرهم. وعندما ودعوا المسلمين قالوا لهم: سترجعون إن شاء الله وتنقذوننا من ‏ظلم هرقل.[9]‏

إن أبا عبيدة بن الجرّاح رضي الله عنه قد عاش أميناً وربانياً إلى درجة أنه تربع على عرش قلوب النصارى. فإذا كان ‏الغرب لايسمعنا ولا يهتم بنا، ولا يعير التفاتة للأفراد الذين نرسلهم لأوروبا، فان الذنب في هذا ذنبنا، وينبع من سلبياتنا. ذلك ‏لأن الثقة والأمن والأمانة هي أهم ما ينقصنا، فإذا استطعنا التحلي بهذه الفضائل مرة أخرى فإن الإنسانية ساعتها تكون قد ‏عثرت على أمة يمكن الثقة بها. ونكون قد استرددنا موضعنا في التوازن الدولي وخطونا خطوة واسعة إلى الأمام.‏

من الممكن ملاحظة هذا الأمر -أي نشر الأمن والأمان- عند توسع العثمانيين وسيطرتهم على معظم أنحاء العالم. فعندما ‏كان الجنود العثمانيون يمرون بالقرب من البساتين والحدائق وهم في طريقهم إلى الحرب، كانوا يعلقون أثمان الفواكه التي ‏يقطفونها من هذه البساتين على أغصان الأشجار. فكانوا بمثل هذه التصرفات الإنسانية النبيلة يفتحون قلوب سكان البلاد قبل ‏فتح هذه البلدان بحد السيف، وإلا ما كان باستطاعتهم فتح بلدان أوروبا، ولا إدامة بقائهم فيها مع وجود كل هذا الحقد ‏الصليبي المرعب. ولكنهم بقوا في البلقان وفي أوروبا أربعة قرون كاملة لأنهم كانوا بأمانة أبي عبيدة؛ لذا، استطاعوا أن ‏يصلوا إلى أبواب فيينا بخسائر قليلة جدا، وكانوا طوال هذه القرون مثالاً للأمن وللطمأنينة في تلك البلدان، وأنا أعتقد بأن ‏الدماء التي سكبت لحفظ الأمن في تركيا بعد تأسيس الجمهورية، لم تسكب طوال خمسة قرون من أجل استتباب الأمن بين ‏الأقوام الأوروبية المختلفة...‏

أجل، فالإحصاءات تظهر لنا بأن عدد الشهداء الذين سقطوا طوال ستة قرون من العهد العثماني في جميع الحروب أقل من ‏عدد الذين سقطوا في نصف القرن الأخير. ومن ثم فإن الزعم بأن الفاتحين العثمانيين كانوا يستندون إلى القوة القاهرة فقط ‏زعم باطل. ومن جانب آخر إذا أخذنا بنظر الاعتبار طبيعة وسائط النقل في تلك الأيام تبين لنا بشكل بديهي استحالة إدارة ‏الدولة وفرض سيطرتها ونظامها على تلك المساحات الشاسعة بقوة السلاح وبقوة الجيش لا غير.‏

نعم! فهذا هو سر نجاحهم في جمع مختلف العناصر والقوميات تحت سقف واحد، وتحت إدارة دولة واحدة طوال تلك المدة ‏دون أن تظهر هناك مشاكل جدية؛ لأنهم قد فتحوا قلوب السكان أولاً. وفتح القلوب والنفوذ إلى النفوس هو وظيفة الدعاة في ‏عصرنا الحالي، وهو الأسلوب والطريقة التي يجب السير عليها.‏


‏ ‏[1] أي يرجعها إلى منزلها. (المترجم)‏
‏[2] البخاري، الاعتكاف، 8؛ مسلم، السلام، 24؛ أبو داود، الصوم، 79، الأدب، 81؛ ابن ماجة، الصيام، 65‏
‏[3] «السيرة النبوية» لابن هشام 1/209‏
‏[4] «المسند» للإمام أحمد 3/447؛ أبو داود، الأدب، 80‏
‏[5] البخاري، الإيمان، 24؛ مسلم، الإيمان، 107‏
‏[6] حُمّرة: طائر صغير. (المترجم)‏
‏[7] تَفرُش: ترفرف. (المترجم)‏
‏[8] أبو داود، الجهاد، 112، الأدب، 164؛ «المسند» للإمام أحمد 1/404‏
‏[9] «عمر بن الخطاب: جوانبه المختلفة وإدارته للدولة» لشِبْلي النعماني 1/213-214

 

 


 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri