| الأمـانـة عند رسولنا صلى الله عليه و سلم |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |||||||
| 2006.09.22 | |||||||
الصفحة 2 من 5 ب- الأمـيـن حـيـال الـوجـود كـلـه وكما كان النبي صلى الله عليه و سلم أميناً على الوحي الإلهي، فقد كان أمينا حيال الوجود كله، لأن هذه الأمانة كانت قد انغرست في أعماق قلبه وكيانه. وللحادثة التالية التي ترويها صفية زوج النبي صلى الله عليه و سلم مغزى كبير عن الزهري قال: أخبرني علي بن الحسين رضي الله عنه: أن صفية زوج النبي صلى الله عليه و سلم أخبرته: أنها جاءت رسول الله صلى الله عليه و سلم تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان. فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب، فقام النبي صلى الله عليه و سلم معها يَقلِبها،[1] حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة، مرّ رجلان من الأنصار، فسلما على رسول الله صلى الله عليه و سلم، فقال لهما النبي صلى الله عليه و سلم: «على رِسْلكما، إنما هي صفية بنت حُيَيّ.» فقالا: سبحان الله يا رسول الله، وكبُر عليهما. فقال النبي صلى الله عليه و سلم: «إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً.»[2] فهذا الشيطان الذي يجري من الإنسان مجرى الدم يستطيع أن يقذف في قلبه وفكره أشياء كثيرة. ولو كان هناك احتمال ضئيل بنسبة واحد من ألف أو واحد من المليون. بورود سؤال على خاطرهما حول: من هي هذه المرأة التي بجانب رسول الله؟ لوقعت حياتهما الأبدية في خطر شديد والعياذ بالله ولا نطفأ عندهم نور الإيمان. ولذلك نرى الرسول صلى الله عليه و سلم -الذي هو مثال الرحمة والشفقة- يسرع للتدخل في الأمر فيظهر مدى أمانته هو، وينقذ في الوقت نفسه إيمان أصحابه وأفراد جماعته. كان هذا هو مبلغ اهتمامه بالأمن والأمانة، ولا عجب في هذا، ألم يكن اسمه "الأمين" قبل بعثته ونبوته؟[3] ألم يكن ألدّ أعدائه يعترفون بأمانته؟ لقد كان أميناً إلى درجة لو أن أبا جهل وهو من ألد أعدائه سُئل أين يستطيع إيداع أثمن أمواله، بل حتى عرضه وشرفه لما تردد في القول: "عند الأمي." أجل، لما خطر بباله شخص آخر غيره... فهكذا كان مقدار أمانته عليه أفضل الصلاة والتسليم. كان أميناً إلى درجة أن امرأة دعت طفلها قائلة: ها تعال أُعطك، فقال لها: رسول الله صلى الله عليه و سلم: «وما أردتِ أن تعطيه؟» قالت: أُعطيه تمراً. فقال لها رسول الله صلى الله عليه و سلم: «أما إنكِ لو لم تعطيه شيئاً كُتبتْ عليكِ كِذبة.»[4] ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يعد الكذب من علامات النفاق، ولأجل ذلك كان يحاول إبعاد الناس عنه قدر استطاعته؛ لأن الكذب علامة من علامات النفاق الثلاثة، والأخريان هما إخلاف الوعد وخيانة الأمانة.[5] فعلى قدر بُعد الرسول صلى الله عليه و سلم من النفاق كان بُعده عن خيانة الأمانة. ولم تكن روح الأمانة ومفهومها عنده مقتصراً عنده نحو الناس فحسب، بل نحو الوجود كله. إليكم حادثة يرويها عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حُمَّرَة[6] معها فرخان، فأخذنا فرخيها فجاءت الحُمَّرَة فجعلت تَفرُش،[7] فجاء النبي صلى الله عليه و سلم فقال: «من فجع هذه بولدها؟ رُدّوا ولدها إليها.»[8] فكأن ممثلي الأمن والأمانة على الأرض لا يليق بهم مثل هذه التصرفات. أما صحابته الغُرّ الميامين الذين تلقوا منه النور والضياء فقد كانوا أمناء أيضا، فهذا هو أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه الذي كان والياً على الشام في زمن خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن سمع أن هرقل يعد جيشاً ضخماً لاسترداد الشام منه، ولم يكن مع أبي عبيدة حينئذ إلا نفر قليل لا يستطيع بهم الدفاع عن مدينة دمشق، إذ به يجمع سكان المدينة ويقول لهم بأنه جمع الجزية منهم على أساس أن يدافع عنهم، وهو الآن لا يستطيع أن يدافع عنهم أمام هرقل؛ لذا، فإنه يرد إليهم هذه الأموال لأنه لا يستطيع الاحتفاظ بها من غير وجه حق. وهكذا ردت أموال الجزية لأصحابها، وأمام هذا المنظر الذي لا يُصدق هرع الرهبان والقسس إلى الكنائس والأديرة وتضرعوا إلى الله أن يبقي المسلمين وأن ينصرهم. وعندما ودعوا المسلمين قالوا لهم: سترجعون إن شاء الله وتنقذوننا من ظلم هرقل.[9] إن أبا عبيدة بن الجرّاح رضي الله عنه قد عاش أميناً وربانياً إلى درجة أنه تربع على عرش قلوب النصارى. فإذا كان الغرب لايسمعنا ولا يهتم بنا، ولا يعير التفاتة للأفراد الذين نرسلهم لأوروبا، فان الذنب في هذا ذنبنا، وينبع من سلبياتنا. ذلك لأن الثقة والأمن والأمانة هي أهم ما ينقصنا، فإذا استطعنا التحلي بهذه الفضائل مرة أخرى فإن الإنسانية ساعتها تكون قد عثرت على أمة يمكن الثقة بها. ونكون قد استرددنا موضعنا في التوازن الدولي وخطونا خطوة واسعة إلى الأمام. من الممكن ملاحظة هذا الأمر -أي نشر الأمن والأمان- عند توسع العثمانيين وسيطرتهم على معظم أنحاء العالم. فعندما كان الجنود العثمانيون يمرون بالقرب من البساتين والحدائق وهم في طريقهم إلى الحرب، كانوا يعلقون أثمان الفواكه التي يقطفونها من هذه البساتين على أغصان الأشجار. فكانوا بمثل هذه التصرفات الإنسانية النبيلة يفتحون قلوب سكان البلاد قبل فتح هذه البلدان بحد السيف، وإلا ما كان باستطاعتهم فتح بلدان أوروبا، ولا إدامة بقائهم فيها مع وجود كل هذا الحقد الصليبي المرعب. ولكنهم بقوا في البلقان وفي أوروبا أربعة قرون كاملة لأنهم كانوا بأمانة أبي عبيدة؛ لذا، استطاعوا أن يصلوا إلى أبواب فيينا بخسائر قليلة جدا، وكانوا طوال هذه القرون مثالاً للأمن وللطمأنينة في تلك البلدان، وأنا أعتقد بأن الدماء التي سكبت لحفظ الأمن في تركيا بعد تأسيس الجمهورية، لم تسكب طوال خمسة قرون من أجل استتباب الأمن بين الأقوام الأوروبية المختلفة... أجل، فالإحصاءات تظهر لنا بأن عدد الشهداء الذين سقطوا طوال ستة قرون من العهد العثماني في جميع الحروب أقل من عدد الذين سقطوا في نصف القرن الأخير. ومن ثم فإن الزعم بأن الفاتحين العثمانيين كانوا يستندون إلى القوة القاهرة فقط زعم باطل. ومن جانب آخر إذا أخذنا بنظر الاعتبار طبيعة وسائط النقل في تلك الأيام تبين لنا بشكل بديهي استحالة إدارة الدولة وفرض سيطرتها ونظامها على تلك المساحات الشاسعة بقوة السلاح وبقوة الجيش لا غير. نعم! فهذا هو سر نجاحهم في جمع مختلف العناصر والقوميات تحت سقف واحد، وتحت إدارة دولة واحدة طوال تلك المدة دون أن تظهر هناك مشاكل جدية؛ لأنهم قد فتحوا قلوب السكان أولاً. وفتح القلوب والنفوذ إلى النفوس هو وظيفة الدعاة في عصرنا الحالي، وهو الأسلوب والطريقة التي يجب السير عليها. [1] أي يرجعها إلى منزلها. (المترجم) [2] البخاري، الاعتكاف، 8؛ مسلم، السلام، 24؛ أبو داود، الصوم، 79، الأدب، 81؛ ابن ماجة، الصيام، 65 [3] «السيرة النبوية» لابن هشام 1/209 [4] «المسند» للإمام أحمد 3/447؛ أبو داود، الأدب، 80 [5] البخاري، الإيمان، 24؛ مسلم، الإيمان، 107 [6] حُمّرة: طائر صغير. (المترجم) [7] تَفرُش: ترفرف. (المترجم) [8] أبو داود، الجهاد، 112، الأدب، 164؛ «المسند» للإمام أحمد 1/404 [9] «عمر بن الخطاب: جوانبه المختلفة وإدارته للدولة» لشِبْلي النعماني 1/213-214
|
|||||||
| < السابق | التالى > |
|---|



