الأمـانـة عند رسولنا صلى الله عليه و سلم طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 1
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.22
فهرست الصفحات
الأمـانـة عند رسولنا صلى الله عليه و سلم
الأمـيـن حـيـال الـوجـود كـلـه
دعـوة أمـتـه إلـى الأمـن
الـتـوكـل الـمـذهـل
يا بـراعـم الأمـل

ج- دعـوة أمـتـه إلـى الأمـن

وكما كان سيد المرسلين يحتفظ بالوحي الإلهي وبالرسالة الإلهية بكل أمانة، فإنه كان يدعو أمته إلى خلق الأمانة نفسها، ‏ويوصي أفرادها أن يعيشوا أمناء بين الناس، وأي شكل من أشكال الخيانة مهما كان ضئيلاً لا يمكن السماح به أو التفكير ‏فيه، لذا حرّم أن يُغتاب ولو مؤمن واحد، إذ سرعان ما ينبه محدثه ويجنبه الإصابة بغبار الغيبة.‏

دخلت امرأة على عائشة رضي الله عنها فلما قامت لتخرج أشارت عائشة بيدها إلى النبي صلى الله عليه و سلم -أي إنها ‏قصيرة- فقال النبي صلى الله عليه و سلم: «اغتبتيها.»[1]‏

وقام النبي صلى الله عليه و سلم بالتحذير نفسه في حادثة صاحبة ماعز بن مالك[2].[3]‏

وكان الرسول صلى الله عليه و سلم يردد دائما هذا الدعاء ويوصي به أمته: «اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس ‏الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة.»[4]‏

وبقدر ما كان مهتما بمراعاة الأمانة كان اهتمامه بالتحذير من الوقوع في الخيانة لارتباطهما معاً. ويورد الرسول صلى الله ‏عليه و سلم خبراً مفزعاً عن الذين يقعون في هاوية الخيانة فيقول: «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يُرفع لكل ‏غادر لواء فقيل: هذه غدرة فلان بن فلان.»[5]‏

لقد كانت روح النبي صلى الله عليه و سلم مغلقة وقلبه موصداً أمام جميع المفاسد والشرور، ومفتوحين لكل خير حتى ‏أصغره وأدقه، فعاش حياته للخير وفي جو من الأمن والطمأنينة، واطمأنت الإنسانية إليه ووثقت به وخاب وخسر الذين ‏ناصبوه العداء وأداروا له ظهورهم. أما هو فقد بسط جناح الرحمة على أمته ولَبَّى طلب كل من دقّ بابه.‏

وكما كان شخصاً أمينا، كان يشعر بنفس الأمن والطمأنينة والثقة بالله سبحانه و تعالى، فكانت ثقته هذه بالله عروجاً لصفة ‏الأمانة والأمن من النبي صلى الله عليه و سلم وسمواًّ ورجوعاً إلى الله تعالى. فالأمانة الهابطة من الله تعالى إلى النبي صلى ‏الله عليه و سلم كانت تظهر وتتجلى في صفة الأمن عنده، وعندما يتقارب طرفا هذا القوس ويتحد يظهر الأمن العام.‏

لقد تميز كل نبي بالثقة بالله تعالى والتوكل عليه، فقد كانت هذه صفة من الصفات اللازمة لهم وخُلقاً من أخلاقهم السامية. ‏ويوضح القرآن هذا الخلق عندهم في آيات عديدة. {واتلُ عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي ‏وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمِعوا أمرَكم وشركاءكم ثم لا يكن أمرُكم عليكم غُمّة ثم اقضوا إليّ ولا تُنظرونِ} ‏‏(يونس: 71).‏

كان نوح عليه السلام يثق في ربه ويعتمد عليه ويقول لجماعة الكفار:‏

إن كنتم تنفرون مني ومن دعوتي لكم وتبليغي أمر الله لكم فافعلوا ما شئتم، ذلك لأنني واثق بالله معتمد عليه... أنتم كثر وأنا ‏فرد واحد، ولكن اعلموا أن الله لن يضيعني. فاجمعوا أمركم وتشاوروا وضعوا الخطط ضدي أنتم وكل شركاؤكم ومعاونيكم ‏حتى لا يفوتكم شيء ولا تتحسروا على شيء فاتكم عمله، بل اعملوا ما وسعكم العمل ضدي ونفذوا كل خططكم فانا في ‏انتظار كل ما يأتي من قبلكم.‏

لقد كان يقول هذا لهم ويتحداهم، لأنه كان شديد الثقة بالله تعالى، وكان يعلم علم اليقين أن الله سوف يعصمه من الناس. ومع ‏أننا لا نعلم عدد الأفراد الذين ركبوا سفينته، إلا أننا نعلم أن كثيراً من الأنبياء -ومنهم إبراهيم عليه السلام- كان من ذريته ‏ومن نسله، فالقرآن الكريم يقول إن إبراهيم عليه السلام من شيعته {وإن من شيعته لإبراهيم} (الصافّات: 83).‏

والموقف نفسه نراه عند النبي هود عليه السلام: {قال إني أُشهِد اللهَ واشهدوا أني برئ مما تشركون ` من دونه فكيدوني ‏جميعاً ثم لا تنظرونِ ` إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها أن ربي على صراط مستقيم} ‏‏(هود: 54-56).‏

ويشرح القرآن موقف إبراهيم عليه السلام... موقف التسليم المطلق لله فيقول: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين ‏معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا ‏بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا واليك المصير} ‏‏(الممتحنة: 4).‏

أجل، كان إبراهيم والذين آمنوا معه يرفعون راية العصيان ويتحدون الكفار قائلين لهم: إننا بعيدون من كل ما تعبدون من ‏دون الله بُعدا كبيرا، فنحن ننكركم وننكر كل طواغيتكم، وقد بدت بيننا وبينكم العداوة وتوسعت حتى تؤمنوا بالله.‏

وهذه العداوة بين المؤمنين وغير المؤمنين بدأت منذ عهد آدم عليه السلام وتواصلت إلى يومنا الحالي. فالإيمان ضد الكفر، ‏والكفر عدو للإيمان، فلا يمكن أن يجتمعا معاً أو يستقرا في مكان واحد، لأن الكفر سيسعى للقضاء على الإيمان، فكما أن ‏الخفافيش لا تستطيع العيش في النور، فكذلك الكفار يضيقون بنور الإيمان ونور النبوة. فكان أتباع إبراهيم عليه السلام من ‏المؤمنين يقولون للكفار إنه مالم تؤمنوا بالله وتعتمدواً وتتوكلوا عليه فأن العداوة ستبقى فيما بيننا ولن تهدأ.‏

ذلك لأنه يوجد انحراف وسقم في ماهية الكفر، والكافر ينظر إلى كل الأشياء نظرة عداء. أما المؤمن فإنه يضم في جوانحه ‏مشاعر الإنسانية والمروءة، وهو ينظر إلى الكون كمهد للأخوة، لذا فهو يبحث مع الجميع نقاط الالتقاء والحوار. بينما يجد ‏الكافر لذة ونشوة في التحرش والتشاجر مع الجميع. وعندما يؤمن الجميع بالله تعالى يتأسس سلام عام وشامل. أما توقع مثل ‏هذا السلام من الكافر ومن الكفر فهو غفلة وتفكير سطحي، ذلك لأن الكفر ليس لديه ما يعطيه للإنسانية غير الإيقاع بين ‏الأمم وإضرام العداوة بينها.‏

ومن ثم فلا يمكن أن يكون هناك حوار بالمعنى الحقيقي بين المؤمن والكافر، أما ما قاله إبراهيم لأبيه فقد عده القرآن الكريم ‏استثناء. رغم أن ما قاله لم يكن إلا عبارة عن أمنية نبعت من شفقته ورأفته الواسعة، هذا مع العلم أنه أوضح بأنه لا يملك ‏لأبيه عند الله شيئاً وعندما قال: {ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير} (الممتحنة: 4). كان يعبر عن ثقته بالله ‏واعتماده وتوكله عليه وحده.‏

ولو تم تدقيق حياة جميع الأنبياء لبرزت صفة ثقتهم واعتمادهم وتوكلهم على الله بروزاً واضحا، وتوكلهم على الله ليس مثل ‏توكل عامة الناس أو مثل توكل أي فرد من الأفراد... هكذا كان توكلهم... إذن، فما بالك بتوكل وثقة سيد الأنبياء والمرسلين ‏وخاتمهم..؟

لقد علمه الله تعالى أن يقول: "حسبي الله" ومنذ ذلك الحين قضى حياته مطمئناً معتمداً على الله واثقاً به ومتوكلاً عليه... ‏تأملوا مدى اعتماده على الله وتوكله عليه أن رجلاً بشجاعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول عنه: "لقد رأيتُنا يوم بدر ‏ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه و سلم وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشدّ الناس يومئذ بأساً."[6]

‏<‏hr noshade color="#0066CC" align="right" width="75%" size="1‎‏">‏

‏[1] أبو داود، الأدب، 35؛ الترمذي، القيامة، 51؛ «المسند» للإمام أحمد 6/189‏
‏[2] عند ما تم رجم صاحبة ماعز بن مالك أصاب دمها وجه أحد الصحابة فتشتمها، فحذره النبي صلى الله عليه و سلم ‏من ذلك، وقال إنها تابت توبة مقبولة عند الله. (المترجم)‏
‏[3] مسلم، الحدود، 23‏
‏[4] أبو داود، الوتر، 32؛ النسائي، الاستعاذة، 19، 20؛ ابن ماجة، الأطعمة، 53‏
‏[5] البخاري، الجزية، 22؛ مسلم، الجهاد، 9؛ أبو داود، الجهاد، 150‏
‏[6] «المسند» للإمام أحمد 1/86

 


 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri