| الأمـانـة عند رسولنا صلى الله عليه و سلم |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |||||||
| 2006.09.22 | |||||||
الصفحة 3 من 5 ج- دعـوة أمـتـه إلـى الأمـن وكما كان سيد المرسلين يحتفظ بالوحي الإلهي وبالرسالة الإلهية بكل أمانة، فإنه كان يدعو أمته إلى خلق الأمانة نفسها، ويوصي أفرادها أن يعيشوا أمناء بين الناس، وأي شكل من أشكال الخيانة مهما كان ضئيلاً لا يمكن السماح به أو التفكير فيه، لذا حرّم أن يُغتاب ولو مؤمن واحد، إذ سرعان ما ينبه محدثه ويجنبه الإصابة بغبار الغيبة. دخلت امرأة على عائشة رضي الله عنها فلما قامت لتخرج أشارت عائشة بيدها إلى النبي صلى الله عليه و سلم -أي إنها قصيرة- فقال النبي صلى الله عليه و سلم: «اغتبتيها.»[1] وقام النبي صلى الله عليه و سلم بالتحذير نفسه في حادثة صاحبة ماعز بن مالك[2].[3] وكان الرسول صلى الله عليه و سلم يردد دائما هذا الدعاء ويوصي به أمته: «اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة.»[4] وبقدر ما كان مهتما بمراعاة الأمانة كان اهتمامه بالتحذير من الوقوع في الخيانة لارتباطهما معاً. ويورد الرسول صلى الله عليه و سلم خبراً مفزعاً عن الذين يقعون في هاوية الخيانة فيقول: «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يُرفع لكل غادر لواء فقيل: هذه غدرة فلان بن فلان.»[5] لقد كانت روح النبي صلى الله عليه و سلم مغلقة وقلبه موصداً أمام جميع المفاسد والشرور، ومفتوحين لكل خير حتى أصغره وأدقه، فعاش حياته للخير وفي جو من الأمن والطمأنينة، واطمأنت الإنسانية إليه ووثقت به وخاب وخسر الذين ناصبوه العداء وأداروا له ظهورهم. أما هو فقد بسط جناح الرحمة على أمته ولَبَّى طلب كل من دقّ بابه. وكما كان شخصاً أمينا، كان يشعر بنفس الأمن والطمأنينة والثقة بالله سبحانه و تعالى، فكانت ثقته هذه بالله عروجاً لصفة الأمانة والأمن من النبي صلى الله عليه و سلم وسمواًّ ورجوعاً إلى الله تعالى. فالأمانة الهابطة من الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه و سلم كانت تظهر وتتجلى في صفة الأمن عنده، وعندما يتقارب طرفا هذا القوس ويتحد يظهر الأمن العام. لقد تميز كل نبي بالثقة بالله تعالى والتوكل عليه، فقد كانت هذه صفة من الصفات اللازمة لهم وخُلقاً من أخلاقهم السامية. ويوضح القرآن هذا الخلق عندهم في آيات عديدة. {واتلُ عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمِعوا أمرَكم وشركاءكم ثم لا يكن أمرُكم عليكم غُمّة ثم اقضوا إليّ ولا تُنظرونِ} (يونس: 71). كان نوح عليه السلام يثق في ربه ويعتمد عليه ويقول لجماعة الكفار: إن كنتم تنفرون مني ومن دعوتي لكم وتبليغي أمر الله لكم فافعلوا ما شئتم، ذلك لأنني واثق بالله معتمد عليه... أنتم كثر وأنا فرد واحد، ولكن اعلموا أن الله لن يضيعني. فاجمعوا أمركم وتشاوروا وضعوا الخطط ضدي أنتم وكل شركاؤكم ومعاونيكم حتى لا يفوتكم شيء ولا تتحسروا على شيء فاتكم عمله، بل اعملوا ما وسعكم العمل ضدي ونفذوا كل خططكم فانا في انتظار كل ما يأتي من قبلكم. لقد كان يقول هذا لهم ويتحداهم، لأنه كان شديد الثقة بالله تعالى، وكان يعلم علم اليقين أن الله سوف يعصمه من الناس. ومع أننا لا نعلم عدد الأفراد الذين ركبوا سفينته، إلا أننا نعلم أن كثيراً من الأنبياء -ومنهم إبراهيم عليه السلام- كان من ذريته ومن نسله، فالقرآن الكريم يقول إن إبراهيم عليه السلام من شيعته {وإن من شيعته لإبراهيم} (الصافّات: 83). والموقف نفسه نراه عند النبي هود عليه السلام: {قال إني أُشهِد اللهَ واشهدوا أني برئ مما تشركون ` من دونه فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرونِ ` إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها أن ربي على صراط مستقيم} (هود: 54-56). ويشرح القرآن موقف إبراهيم عليه السلام... موقف التسليم المطلق لله فيقول: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا واليك المصير} (الممتحنة: 4). أجل، كان إبراهيم والذين آمنوا معه يرفعون راية العصيان ويتحدون الكفار قائلين لهم: إننا بعيدون من كل ما تعبدون من دون الله بُعدا كبيرا، فنحن ننكركم وننكر كل طواغيتكم، وقد بدت بيننا وبينكم العداوة وتوسعت حتى تؤمنوا بالله. وهذه العداوة بين المؤمنين وغير المؤمنين بدأت منذ عهد آدم عليه السلام وتواصلت إلى يومنا الحالي. فالإيمان ضد الكفر، والكفر عدو للإيمان، فلا يمكن أن يجتمعا معاً أو يستقرا في مكان واحد، لأن الكفر سيسعى للقضاء على الإيمان، فكما أن الخفافيش لا تستطيع العيش في النور، فكذلك الكفار يضيقون بنور الإيمان ونور النبوة. فكان أتباع إبراهيم عليه السلام من المؤمنين يقولون للكفار إنه مالم تؤمنوا بالله وتعتمدواً وتتوكلوا عليه فأن العداوة ستبقى فيما بيننا ولن تهدأ. ذلك لأنه يوجد انحراف وسقم في ماهية الكفر، والكافر ينظر إلى كل الأشياء نظرة عداء. أما المؤمن فإنه يضم في جوانحه مشاعر الإنسانية والمروءة، وهو ينظر إلى الكون كمهد للأخوة، لذا فهو يبحث مع الجميع نقاط الالتقاء والحوار. بينما يجد الكافر لذة ونشوة في التحرش والتشاجر مع الجميع. وعندما يؤمن الجميع بالله تعالى يتأسس سلام عام وشامل. أما توقع مثل هذا السلام من الكافر ومن الكفر فهو غفلة وتفكير سطحي، ذلك لأن الكفر ليس لديه ما يعطيه للإنسانية غير الإيقاع بين الأمم وإضرام العداوة بينها. ومن ثم فلا يمكن أن يكون هناك حوار بالمعنى الحقيقي بين المؤمن والكافر، أما ما قاله إبراهيم لأبيه فقد عده القرآن الكريم استثناء. رغم أن ما قاله لم يكن إلا عبارة عن أمنية نبعت من شفقته ورأفته الواسعة، هذا مع العلم أنه أوضح بأنه لا يملك لأبيه عند الله شيئاً وعندما قال: {ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير} (الممتحنة: 4). كان يعبر عن ثقته بالله واعتماده وتوكله عليه وحده. ولو تم تدقيق حياة جميع الأنبياء لبرزت صفة ثقتهم واعتمادهم وتوكلهم على الله بروزاً واضحا، وتوكلهم على الله ليس مثل توكل عامة الناس أو مثل توكل أي فرد من الأفراد... هكذا كان توكلهم... إذن، فما بالك بتوكل وثقة سيد الأنبياء والمرسلين وخاتمهم..؟ لقد علمه الله تعالى أن يقول: "حسبي الله" ومنذ ذلك الحين قضى حياته مطمئناً معتمداً على الله واثقاً به ومتوكلاً عليه... تأملوا مدى اعتماده على الله وتوكله عليه أن رجلاً بشجاعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول عنه: "لقد رأيتُنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه و سلم وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشدّ الناس يومئذ بأساً."[6] <hr noshade color="#0066CC" align="right" width="75%" size="1"> [1] أبو داود، الأدب، 35؛ الترمذي، القيامة، 51؛ «المسند» للإمام أحمد 6/189[2] عند ما تم رجم صاحبة ماعز بن مالك أصاب دمها وجه أحد الصحابة فتشتمها، فحذره النبي صلى الله عليه و سلم من ذلك، وقال إنها تابت توبة مقبولة عند الله. (المترجم) [3] مسلم، الحدود، 23 [4] أبو داود، الوتر، 32؛ النسائي، الاستعاذة، 19، 20؛ ابن ماجة، الأطعمة، 53 [5] البخاري، الجزية، 22؛ مسلم، الجهاد، 9؛ أبو داود، الجهاد، 150 [6] «المسند» للإمام أحمد 1/86 |
|||||||
| < السابق | التالى > |
|---|



