الأمـانـة عند رسولنا صلى الله عليه و سلم طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 1
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.22
فهرست الصفحات
الأمـانـة عند رسولنا صلى الله عليه و سلم
الأمـيـن حـيـال الـوجـود كـلـه
دعـوة أمـتـه إلـى الأمـن
الـتـوكـل الـمـذهـل
يا بـراعـم الأمـل

د-‏‏ الـتـوكـل الـمـذهـل‏

عندما هاجر كان بيته محاطاً من جميع جوانبه بأناس مصممين على قتله أشد تصميم، فتلى قوله تعالى: {وجعلنا من بين أيديهم سداًّ ومن خلفهم سداًّ} (يس: 9). ونثر عليهم ‏ملء كفه تراباً ثم خرج من بينهم بكل اطمئنان ودون أن يبدي أي قلق...[1] لقد كان محتفظاً برباط جأشه وشجاعة قلبه، ثم توجه نحو غار ثور... هذا الغار الموجود على ‏قمة جبل يصعب ارتقاؤه حتى على الشباب، ولكنه ارتقى ذروة هذا الجبل وهو في الثالثة والخمسين من عمره... لقد كانت حياته عبارة عن سلسلة من المشاق والآلام وهذه ‏المشقة آخرها... كأنما كان يستجيب لدعوة الغار له ويشرفه بالبقاء فيه ضيفاً عدة أيام.‏

ثم وصل مشركو مكة إلى باب الغار... ولم تبق هناك سوى مسافة متر واحد أو أقل، عندئذ قلق أبو بكر رضي الله عنه واضطرب واصفر وجهه، ذلك لأنه كان يعد رسول الله ‏صلى الله عليه و سلم أمانة لديه، فماذا لو لم تصل هذه الأمانة إلى مكانها؟ أما رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم يتغير شيء في سحنته الباسمة... لقد كان رجلا آمنا مطمئنا، ‏وكان يطمئن أبا بكر رضي الله عنه ويقول له: «يا أبا بكر! لا تخف، إن الله معنا» ثم يقول له: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟!»[2]

وها هو في غزوة حُنين التي بدا وكأن الجيش الإسلامي يتشتت ويتفرق ذات اليمين وذات الشمال، وأيقن الجميع أن نهاية المعركة ستكون هزيمة منكرة للمسلمين. إذ بالنبي صلى ‏الله عليه و سلم يسوق جواده -الذي كان العباس رضي الله عنه يحاول أن يوقفه- نحو صفوف الأعداء وهو يصيح بصوته المهيب:‏

‏«أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب.»[3]‏

وكانت شجاعته هذه هي التي أدت إلى عودة تماسك الجيش الإسلامي في وقت قصير، فانقلبت هزيمته إلى نصر مبين.‏

وموقف آخر عندما كان النبي صلى الله عليه و سلم نائماً تحت شجرة بعد رجوعه من غزوة ذات الرِّقاع إذ أقبل عليه أحد الكفار واسمه غَوْرَث بن الحارث فأخذ سيفه المعلق ‏على الشجرة وقربه من عنق النبي صلى الله عليه و سلم قائلاً له بنبرة استهزاء: من يمنعك مني؟ فلم يضطرب الرسول صلى الله عليه و سلم أبدا لأنه كان واثقاً بالله تعالى لذا، ‏أجابه: «الله» فبهت الكافر واضطرب ووقع السيف من يده فالتقطه النبي صلى الله عليه و سلم وقال له: «والآن من يمنعك مني؟» فأخذ الكافر يهتزّ من خوفه كريشة في مهب ‏الريح. وهنا أقبل المسلمون الذين سمعوا صوت النبي صلى الله عليه و سلم، فذهلوا مما رأوا وعندما علموا ما جرى زاد إيمانهم بالله. أما غَوْرَث فقد أمنه النبي صلى الله عليه و سلم ‏وأطلق سراحه دون عقاب.[4]‏

يقول المفكر الغربي المعروف "جورج بِرنار شو (‏George Bernard Shaw‏)":‏

‏"إن محمداً شخص له جوانب سامية متعددة ومذهلة، وليس في الإمكان فهم هذا الإنسان اللغز حق الفهم، ولاسيما فهم أحد جوانبه وهو ثقته المطلقة بالله فهذا سر لا يمكن ‏فهمه."‏

كانت ثقته بالله لا يمكن قياسها ولا تقييمها بموازيننا العادية، لذا كانت مكانته ومنزلته عند الله منزلة سامية سمو ثقته وإيمانه بالله وتوكله عليه، لذا فلو دعا لانقلب الليل إلى نهار ‏والظلام إلى نور والفحم إلى ماس.‏

إن رسول الله صلى الله عليه و سلم هو أكثر شخص مدعاة للثقة من بين كل العالم، ومن ثم يجب أن تكون أمته أيضاً مدعاة للأمن وللثقة، تقول الآية الكريمة: {إن الله يأمركم ‏أن تؤدُّوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نِعِمَّا يعظكم به إن الله كان سميعاً بصيراً} (النساء: 58).‏

يشرح علي بن أبي طالب رضي الله عنه سبب نزول هذه الآية فيقول:‏

بعد أن تم فتح مكة أخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم مفاتيح الكعبة من عثمان بن طلحة وفتح الكعبة بنفسه، فأقبل إليه العباس رضي الله عنه وطلب منه هذه المفاتيح، لأنه ‏كان يرى أن عثمان بن طلحة أحق الناس بحمل هذه الأمانة، وهكذا كان، فبعد نزول هذه الآية سلّمت مفاتيح الكعبة إلى عثمان بن طلحة مرة أخرى.[5]‏

غير أن حكم الآية حكم عام؛ لأن الرسول صلى الله عليه و سلم عد تضييع الأمانة وعدم رعايتها علامة من علامات قيام الساعة إذ يقول لأعرابي سأله عن الساعة. «فإذا ‏ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة.» قال: كيف إضاعتها؟ قال: «إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة.»[6]‏

أجل، إن الأمانة شيء خطير. وإعطاء الأمر لأهله يعد أمانة وهو من الأمور المهمة لحفظ النظام في العالم، وضياع الأمانة يأتي بالمعنى نفسه لاختلال النظام العام. ووجود مثل هذا ‏العالم الذي ضاعت فيه الأمانة واختل فيه النظام أو انعدام وجوده يكون سيان.‏

وفي حديث آخر يقول الرسول صلى الله عليه و سلم:‏

‏«كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته. الإمام راع ومسؤول عن رعيته. والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها. ‏والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته وكلكم راع ومسؤول عن رعيته.»[7]‏

إن ما يراد شرحه هنا ضمن هذا الإطار الشامل هو أن كل شخص مؤتمن عند الآخر، والوجود كله أمانة لدى الله سبحانه و تعالى، والقرآن كان أمانة عند جبريل عليه السلام ‏في البداية، ثم أمانة عند رسول الله صلى الله عليه و سلم، ثم أن حقائق القرآن ونبوة محمد عليه السلام أمانة عند أمة الإسلام. والأمة بأجمعها أمانة لدى الله سبحانه و تعالى.‏

إن العناصر التي تتألف منها الحياة وكذلك العناصر الضرورية لحياة المجتمع تعتبر كدوائر متداخلة بعضها في بعض، وأي فساد يعرض لإحدى هذه الدوائر مهما كان ضئيلاً يسرى ‏إلى الدوائر الأخرى بعد أن يتضاعف أثرها، ولا أعتقد أن أحداً يشك في هذا. فإذا كان هناك أي فساد في مستوى الفرد، ولم يتم علاج هذا الفساد بسرعة، فلا يشكن أحد في ‏أن هذا الفساد سينقلب في وقت قصير إلى فساد مزمن وإلى سرطان لا يمكن علاجه. ولكي يتم سد الطريق أمام جميع أنواع المفاسد، فإن على كل دائرة القيام بإيفاء جميع حقوق ‏الأمانة الموكولة لديها.‏

والحديث الشريف يشير إلى هذا الترابط الكامل، وفي إطار هذه الإشارة إن كان أفراد الأمة جميعهم -بدءاً من الحارس وانتهاء برئيس الدولة- في وعي كامل في موضوع الأمانة ‏لأصبح هذا المجتمع المثالي المكون من الأفراد الأمناء كمجتمع المدينة الفاضلة التي تخيلها بعض المفكرين.‏

ولأن الأمانة بهذه الأهمية الجامعة فقد قال الرسول صلى الله عليه و سلم: «لا إيمان لمن لا أمانة له.»[8]

فالشخص الذي لا يراعي الأمانة المودعة لديه لا يكون إيمانه كاملاً؛ لأن علاقة الإيمان بالأمانة هي أن كلا منهما سبب للآخر ونتيجة له. ومن ثم فمن الصعب أن تجد رعاية ‏كاملة للأمانة عند غير المؤمنين.‏

أجل، فالإنسان ذو الإيمان الكامل يكون أميناً فإن لم يكن أميناً فليس إيمانه كاملاً.‏

وفي حديث آخر يعرّف الرسول صلى الله عليه و سلم المؤمن بقوله: «المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم.»[9]‏

وهنا أود أن أذكر مرة ثانية حديثاً أوردته في مبحث صدق الرسول صلى الله عليه و سلم، وذلك لكونه ذا علاقة بموضوع الأمانة. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ‏‏«اِضْمَنُوا لي ستاًّ من أنفسكم أَضمن لكم الجنة»:[10]‏

‏1- «اُصدقوا إذا حدثتم» أجل، فيجب أن يكون كلامكم وسلوككم متصفاً بالصدق والاستقامة... ولتكونوا مستقيمين استقامة الرمح.‏

‏2- «وأوفوا إذا وعدتم»: ومالفة ذلك يكون علامة من علامات النفاق وقد تم شرح هذا الموضوع باختصار فيما سبق.‏

‏3- «وأدّوا إذا اؤتمنتم»: فإن ائتمنك أحد على شيء لتوسمه فيك الأمانة، فلا تخيب ظنه فيك، بل لا تكذب حسن ظنه بك يوم القيامة.‏

‏4- «واحفظوا فروجكم»: أي احفظوا أعراضكم، واحفظوا أعراض الناس مثلما تحافظون على أعراضكم (سنتناول هذا الموضوع في مبحث "العفة" بشكل مفصل).‏

‏5- «وغضوا أبصاركم»: أي لا تمد عينك إلى مالا تملك. فالنظر إلى الحرام يفسد القلب، لذا ورد في حديث قدسي:‏

‏«إن النظر سهم من سهام إبليس مسموم، من تركها مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه.»[11]‏

‏6- «وكفوا أيديكم»[12]): أي لا تمدن يدك بالإيذاء لأحد.‏

هذه هي الشروط التي يجب توفرها في الإنسان لكي يكون اميناً يطمئن إليه الناس... يعيش أميناً في الدنيا ويضمن آخرته. فمن يضمن تحقيق هذه الشروط ضمن له النبي صلى الله ‏عليه و سلم الجنة.‏

فلكي يعم الأمن والأمان في الدنيا، يجب أن تكون مقاليد أمور الدنيا في يد أناس أمناء. ولو قام العالم الإسلامي بحمل الأمانة المودعة لديه، وأصبح ممثلاً للأمن والأمأن في العالم ‏لتأسس التوازن والاستقرار في الدنيا، وإلا فإن حال العالم كله -وليس حال تركيا فقط- أليمة تنفطر لها القلوب.‏


‏ ‏[1] «السيرة النبوية» لابن هشام 2/127‏
‏[2] البخاري، تفسير سورة (9) 9؛ «المسند» للإمام أحمد 1/4‏
‏[3] البخاري، الجهاد، 52؛ مسلم، الجهاد، 78‏
‏[4] البخاري، المغازي، 31، الجهاد، 84؛ مسلم، الفضائل، 13؛ «المستدرك» للحاكم 3/29‏
‏[5] «الإصابة» لابن حجر 2/460؛ «السيرة النبوية» لابن هشام 4/55‏
‏[6] البخاري، العلم، 2؛ «المسند» للإمام أحمد 2/321‏
‏[7] البخاري، الجمعة، 11، الوصايا، 9؛ مسلم، الإمارة، 20؛ أبو داود، الإمارة، 1‏
‏[8] «المسند» للإمام أحمد 3/135‏
‏[9] الترمذي، الإيمان، 12؛ النسائي، الإيمان، 8؛ ابن ماجة، الفتن، 2؛ «المسند» للإمام أحمد 2/206، 210، 379‏
‏[10] الترمذي، الإيمان، 12؛ ابن ماجة، الفتن، 2‏
‏[11] «كنز العمال» للهندي 5/328‏
‏[12] «المسند» للإمام أحمد 5/323

 



 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri