الأخبار الـمتـعلقة بالمستقبل طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 1
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.22
فهرست الصفحات
الأخبار الـمتـعلقة بالمستقبل
المـسـتقـبل البعيد

2-‏الـنـصـر‏

جاء في البخاري وفي سنن أبي داود عن خَبّاب بن الأرتّ رضي الله عنه قال:‏

شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة قلنا له: ألا تستنصر ‏لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: «كان الرجل فيمن قبلكم يُحفَر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار ‏فيوضَع على رأسه فيُشَقّ باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه. ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من ‏عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، واللهِ ليتمنّ الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء ‏إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون.»[1] وتحققت نبوءة ‏الرسول صلى الله عليه و سلم بحذافيرها.‏

‏3-‏‏ «أنتِ أول من يلحق بي»‏

جاء في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها وهى تروي ذكرياتها عن الأيام الأخيرة للرسول ‏صلى الله عليه و سلم قالت: كُنّ أزواج النبي صلى الله عليه و سلم عنده. لم يغادر منهن واحدة. ‏فأقبلت فاطمة تمشي. ما تُخطئ مِشيتها من مشية رسول الله صلى الله عليه و سلم شيئاً. فلما رآها ‏رحّب بها فقال: «مرحباً بابنتي» ثم أجلسها عن يمينه.[2] قالت عائشة رضي الله عنها: فسارّها ‏بشيء فبكتْ، ثم دعاها فسارّها بشيء فضحكت، فسألناها عن ذلك فقالت: سارّني النبي صلى الله ‏عليه و سلم أنه يُقبَض في وجعه الذي توفي فيه، فبكيت ثم سارّني فأخبرني أني أول أهل بيته يتبعه ‏فضحكت".[3]‏

فكأنها في بكائها كانت تصف حالها بعد وفاة والدها:‏

ماذا عليّ مَنْ شَمّ تـربة أحمدا ألا يَشُمّ مـدى الزمـان غَواليا

صُـبّت عليّ مصائبُ لو أنـها صُبَّت على الأيام عُدْنَ لياليا [4]‏

وبعد ستة أشهر فقط من وفاته صلى الله عليه و سلم لحقت به فاطمة رضي الله عنها. وكانت وفاتها ‏تصديقاً لنبوة أبيها رسول الله صلى الله عليه و سلم.[5]‏

‏4- ‏الصلـح‏

ذكر معظم رجال الحديث في كتب الأحاديث الستة أن الرسول صلى الله عليه و سلم أشار يوماً ‏وهو على المنبر إلى الحسن رضي الله عنه قائلاً: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يُصْلِح به بين فئتين ‏عظيمتين من المسلمين.»[6]‏

أجل، إنه كريم بن كريم وحفيد لرسول الله صلى الله عليه و سلم، وعندما أصبح خليفة ذات يوم ‏تخلّى عنها وعن السلطة حتى لايكون سبباً في التفرقة بين أمة الإسلام، وأثبت بذلك كيف أنه سيد ‏وابن سيد... فلم يمر سوى خمس وعشرين أو ثلاثين سنة على نبوءة رسول الله صلى الله عليه و ‏سلم حتى تحقق ما قاله حرفياًّ... فالأمويون رأوا الحسن أمامهم بعد وفاة علي بن أبي طالب، ولكن ‏الحسن كان رجل صلح وسلام، لذا فقد تنازل عن جميع حقوقه لكي يصلح بين جيشي المسلمين ‏ويمنع -ولو بشكل مؤقت- وقوع فتنة كبرى بين المسلمين.[7]‏

وما أصدق ما قال الشاعر في حقه:‏

كريم بن كريم بن كريم
وجده خير الأنام

عندما أخبر الرسول صلى الله عليه و سلم هذه الحادثة بحقه كان الحسن رضي الله عنه طفلاً صغيراً، ‏وربما لم يَفهم مرادَ الرسول صلى الله عليه و سلم ولا ما أشار إليه، أي أنه لم يفعل ما فعله لأن ‏رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ذلك، بل قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ذلك القول ‏لكونه عالـماً بما سيفعله، وكان الحسن رضي الله عنه بعمله هذا يصدِّق جده، ويقول له بلسان ‏الحال: "صدقت!"‏

‏5- ‏سـيعيـش قرنـاً‏

عن عبد الله بن بُسْر: قال وضع رسول الله صلى الله عليه و سلم يده على رأسي فقال: «يعيش هذا ‏الغلام قرناً.» فعاش مائة سنة وكان في وجهه ثؤلول، فقال: «لا يموت حتى يذهب الثؤلول.» ويقول ‏الصحابة إنه عاش مائة سنة وذهب الثؤلول عن وجهه.[8]‏

وكما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم حسب سر الآية {ولَلآخرة خير لك من الأولى} ‏‏(الضحى: 4). يتقدم كل يوم ويقطع الدرجات نحو العُلى ونحو الأفضل ويكون يومه دائماً أفضل ‏من أمسه، فإنه كان يستغفر كل يوم مائة مرة.[9] وكانت أمته تعرفه أكثر فأكثر كل يوم، وكان ‏إيمانها يزداد به وبصدقه كلما أظهرت الأيامُ صِدقَ الأخبار التي أخبرها الرسول صلى الله عليه و ‏سلم عن المستقبل فتُرَدّد وتقول: "صدقت يا رسول الله!"‏

والآن لنعط بعض الأمثلة المتعلقة بالعهود البعيدة عن زمن الرسول صلى الله عليه و سلم والقريبة ‏من زماننا الحالي. والأمثلة عن الأخبار المستقبلية التي ننتظر تحققها أيضاً.‏

‏6- ‏الأخبار التي أخبرها في وقعة "الخندق"‏

تكاد جميع كتب الأحاديث تجمع على إيراد الحادثة التالية التي جرت أثناء حفر الخندق حول المدينة. ‏وكان النبي صلى الله عليه و سلم يشارك صحابته في الحفر، وينشد:‏

‏«اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة
فاغفر للأنصار والمهاجرة» [10]‏

فينشدون:‏

‏«واللهِ لولا أنت ما اهتدينا
ولا تَصدّقـنا ولا صلّيْنا
‏ فــأَنـزِلـنْ ســـكـيـنـة عـلـيـنـا
وثبّت الأقدام إن لاقينا» [11]‏

يقول البراء بن عازب الأنصاري:‏

لما كان حين أَمرَنا رسول الله صلى الله عليه و سلم بحفر الخندق عرض لنا في بعض الخندق صخرة ‏عظيمة شديدة لا تأخذ فيها المعاول، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما رآها ‏أخذ المعول وقال: «بسم الله» وضرب ضربة فكَسَر ثلثها وقال: «الله أكبر! أُعطيتُ مفاتيح الشام، ‏والله إني لأُبصِر قصورها الحمر إن شاء الله» ثم ضرب الثانية فقطع ثلثاً آخر فقال: «الله أكبر! ‏أُعطيتُ مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض» ثم ضرب الثالثة فقال: «بسم الله» ‏فقطع بقية الحجر فقال: «الله أكبر! أُعطيتُ مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صَنْعاء من مكاني ‏الساعة.»[12]‏

ولم تمض إلا بضع سنين حتى فتح الله تعالى بسيوف سعد بن أبي وقّاص وخالد بن الوليد وغيرهما ‏من كبار القوّاد كل هذه البلدان والممالك. وتم تسليم مفاتيحها إلى الشخصية المعنوية لرسولنا محمد ‏صلى الله عليه و سلم. وكان هذا دليلاً آخر على صدقه. ولم يكن في الإمكان أصلاً إلا أن يكون ‏هكذا، فلو فرضنا المستحيل ولم يحصل ما وعده رسولنا صلى الله عليه و سلم، لحقق الله تعالى هذا ‏الوعد لكي لا يكذِّب رسوله... كيف لا ورسول الله صلى الله عليه و سلم يصف الصحابي البراء ‏بن مالك رضي الله عنه بأنه «لو أَقْسم على الله لأَبرّه.» [13] أي لو أقسم البراء حول أمر صعب ‏التحقق لحقق الله تعالى قَسَمه هذا. وكان الصحابة يقدمونه في الحرب لكي يضمنوا انتصارهم.[14] ‏فهل يعطي الله أحد الصحابة مثل هذه المِيزة ولا يعطيها لرسوله صلى الله عليه و سلم؟ فالله سبحانه ‏تعالى أراه فتح هذه البلدان رأى العين، وكان الرسول صلى الله عليه و سلم يخبر عما رآه.‏

‏7- ‏بشرى الأمن والغنى‏

روى عَدِيّ بن حاتِم رضي الله عنه قال:‏

بينا أنا عند النبي صلى الله عليه و سلم إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا قطع ‏السبيل، فقال: «يا عديّ! هل رأيت الحِيرة؟» قلت: لم أرها، وقد أُنبئتُ عنها. قال: «فإن طالت بك ‏حياة، لتَرَيَنّ الظعينة[15] تَرتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف الا الله» -قلت فيما ‏بيني وبين نفسي: فأين دُعّار[16] طَيِّئ الذين قد سَعّروا[17] البلاد- «ولئن طالت بك حياة ‏لتُفتحَنّ كنوزُ كسرى.» قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: «كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة ‏لَتريَنّ الرجلَ يُخرج ملء كفه من ذهب أو فضة، يطلب من يَقبله منه فلا يجد أحداً يقبله منه.»‏

إلى أن يقول: فرأيت الظعينة ترتحل من الحِيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن ‏افتتح كنوزَ كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياةٌ، لتروُنّ ما قال النبي أبو القاسم صلى الله عليه ‏و سلم: «يُخرج ملء كفه.»[18]‏

لم ير عديّ تحقق النبوءة الثالثة، ولكن جاء اليوم الذي تحققت فيه أيضاً. ففي عهد الخليفة عمر بن ‏عبد العزيز تحقق الشق الثالث من النبوءة، وأصبح واقعاً مُعاشاً. ففي تلك الدولة الواسعة المترامية ‏الأطراف كان توزيع الثروة عادلاً ومنظماً إلى درجة أنه لم يبق فيها فقير واحد. ولا نبالغ إن قلنا بأن ‏مستوى الحياة الحالية في الولايات المتحدة الأمريكية وفي دول الغرب أقل بكثير من مستوى الحياة ‏آنذاك في تلك الدولة. هذا علاوة على أن نظام توزيع الثروات في هذه الأمم غير عادل وغير ‏متوازن أبداً؛ فإلى جانب فئة غنية وموسرة ومرفهة جداًّ نجد الطبقات الفقيرة التي تعيش ظروف حياة ‏قاسية. وما كان مثل هذا التوزيع الجائر غير المتوازن موجوداً في ذلك العهد... عهد الخليفة عمر بن ‏عبد العزيز.[19]‏

‏8- ‏شهادة عمّار‏

كان المسلمون منهمكين ببناء المسجد النبوي... الكل يعمل... فمنهم من يصنع اللبِن ومنهم من ‏ينقلها ومنهم من يبني. وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يعمل معهم . فمر به عمّار بن ياسر ‏رضي الله عنه وهو يحمل لبنتين -بينما كان الباقون يحملون لبنة واحدة- فقال له رسول الله صلى ‏الله عليه و سلم: «ما دأبك إلى هذا؟» قال: يا رسول الله أريد الأجر. فجعل يمسح التراب عن ‏منكبيه وظهره وهو يقول: «ويحك يا عمّار! تقتلك الفئة الباغية.»[20] أو: «أبشر! تقتلك الفئة ‏الباغية.»[21] فأخبر النبي علي بن أبي طالب رضي الله عنه بذلك ونبهه إلى أن عمّاراً سيستشهد ‏وستقتله الفئة الباغية.‏

في معركة صِفّين كان عمّار في صف علي بن أبي طالب رضي الله عنه واستشهد فيها. وعَدّ أصحاب ‏علي رضي الله عنه هذه الشهادة دليلاً على أن الطرف الآخر فئة باغية.[22] صحيح أن صحابياًّ ‏جليلاً قُتل في هذه المعركة، ولكن كل قطرة من دمائه سقطت على أرض المعركة كانت تقول: ‏‏"صدقت يا رسول الله صلى الله عليه و سلم!"‏

أجل، أيها القراء الأعزاء! فلو لم يُخبِر الله تعالى فكيف يستطيع الإنسان أن يعلم هذا..؟ هناك حالياًّ ‏أفلام خيالية تقوم ببعض التنبؤات حول المستقبل؛ وهذا ليس بالأمر الصعب، ذلك لأن لديهم ‏المقدمات والبدايات، ويمكن القيام ببعض التخمينات في هذه المسائل وربط الحوادث وتركيبها ‏بعضها مع البعض الآخر.‏

بينما الأمور الغيبية التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه و سلم لم تكن لها مقدمات ولا بدايات، ‏وما كان بمقدور أي بشر مهما كان عبقرياًّ أن يخبر عُشر معشار ما أخبر الرسول صلى الله عليه و ‏سلم من أمور المستقبل وأمور الغيب؛ ذلك لأن العقول لها حدود لا تستطيع تجاوزها. إذ يستحيل ‏معرفة هذه المسائل دون الاستعانة بالوحي أو الإلهام الغيبي. ومن ثم فلم يكن رسول الله صلى الله ‏عليه و سلم يعرف هذه المسائل من نفسه، بل لأن الله تعالى كان يخبره بها، وهذا هو سبب تصديق ‏الأيام لكل ما قاله.‏

‏9- قوم مارقون من الدين

في أحد الأيام كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقسم الغنائم فأقبل شخص غائر العينين ناتئ ‏الجبين كَثّ اللحية مُشرِف الوجنتين محلوق الرأس ، ولعله كان يمثل ظهور أمة في المستقبل، فخاطب ‏رسول الله صلى الله عليه و سلم بكل صفاقة قائلاً: يا محمد اِعْدِلْ.قال: «ويلك! ومن يَعدِل إذا لم ‏أكن أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل.»[23]‏

والرواية إما "خبتَ وخسرتَ" بفتح التاء الأخيرة، أي بضمير المخاطب، أو "خبتُ وخسرتُ" بضم ‏التاء الأخيرة أي بضمير المتكلم. فالرسول صلى الله عليه و سلم يريد أن يقول حسب الرواية ‏الأولى: إن لم يكن نبي أمة شخصاً عادلاً فكيف تتعلم تلك الأمة العدالة؟ والناس الذين يعيشون في ‏جو بعيد عن العدالة لا شك يعيشون في خيبة وخسران. ويريد أن يقول حسب الرواية الثانية: لو لم ‏أعدل أُعَدّ من الخاسرين بينما بعثت نبياًّ ورسولاً ورحمة للعالمين.. إذن، فلا يمكن ألاّ أعدل.‏

وأراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يؤدب هذا الشخص الذي لا يعرف أدب الحديث، فقال ‏لرسول الله صلى الله عليه و سلم: ائْذَنْ لي فَأَضْرِبَ عُنُقَه. ولكن رسول الله صلى الله عليه و سلم ‏قال: «دعه فإنّ له أصحاباً يَحقِر أحدُكم صَلاتَه مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم يَقرأون القرآن لا ‏يجاوز تَراقيَهم، َيمرُقون من الدين كما يَمْرُق السَهْم من الرَّميَّة، يُنظَر إلى نَصْله فلا يوجد فيه شيء، ‏ثم يُنظَر إلى رِصافه[24] فلا يوجد فيه شيء ثم يُنظَر إلى نَضِيِّه[25] وهو قِدْحُه[26] فلا يوجد فيه ‏شيء، ثم يُنظَر إلى قُذَذه[27] فلا يوجد فيه شيء، قد سَبَق الفَرْثَ والدَّمَ،[28] آيتُهم رَجُلٌ أسودُ ‏إحدى عَضُديْه مثل ثَدْيِ المرأة. أو مثل البَضْعة[29] تَدَرْدَرُ ويَخرجون على حينِ فُرْقَةٍ من ‏الناس.[30]‏

قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه و ‏سلم وأشهد أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قاتلهم وأنا معه، فأَمَر بذلك الرجل فالتُمس فأُتي ‏به حتى نظرتُ إليه على نَعْتِ النبي صلى الله عليه و سلم الذي نَعَتَه.[31]‏

إذن، فالذين مرقوا من الدين مروق السهم هم الخوارج الذين قاتلهم علي بن أبي طالب رضي الله ‏عنه.[32] وهناك رواية في حديث صحيح: أن الرسول صلى الله عليه و سلم قال قاصداً علي بن ‏أبي طالب رضي الله عنه: «إن منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن كما قاتلتُ على ‏تنزيله.»[33]‏

أي إن الناس حاربوني ووقفوا ضدي عند نزول القرآن، وقاتلتهم على ذلك، وسيأتي يوم يفسَّر فيه ‏القرآن تفسيراً خاطئاً ويؤَوَّل تأويلاً خاطئا، وستحارب أنت هؤلاء الناس... وقد حدث هذا كما ‏ذكرت كتب السير.‏

فكأن ذلك الشخص الغائر العينين، الناتئ الجبين قد خُلق وعامل رسول الله صلى الله عليه و سلم ‏تلك المعاملة السلبية لكي يظهر صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم. ولكن لا يرد على خاطر ‏أحدكم بأنه سيؤجر على هذا... كلا! فكما لا يؤجر الشيطان لتسببه في اكتساب المؤمن ثواباً من ‏الله بسبب مقاومته لوسوسته. كذلك لا يؤجر ذلك الشخص بسبب أنه كان وسيلة لظهور صدق ‏رسول الله صلى الله عليه و سلم. لأنها كانت وسيلة بطريقة غير محببة وغير مؤدبة مع رسول الله ‏صلى الله عليه و سلم.‏

‏10-‏ أُمّ حرام وركوب البحر‏

كانت أم حرام بنت مِلحان خالة رسول الله صلى الله عليه و سلم بالرضاعة في رواية، وفي رواية ‏أخرى قريبة أمه صلى الله عليه و سلم وبمثابة خالته. فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يزورها ‏من حين لآخر، وقد يستريح عندها. وفي إحدى المرات استراح عندها ثم استيقظ يتبسم. فقالت له ‏أم حرام:‏

ما أضحكك؟ قال: «أناس من أمتي عُرضوا عليّ يركبون هذا البحر الأخضر كالملوك على الأَسِرّة» ‏قالت: فادْعُ الله أن يجعلني منهم فدعا لها، ثم نام الثانية، ففعل مثلها فقالت مثل قولها فأجابها مثلها. ‏فقالت: اُدْعُ الله أن يجعلني منهم فقال: «أنتِ من الأولى.»[34] فخرجتْ مع زوجها عبادة بن ‏الصامت غازياً أول من ركب المسلمون البحر مع معاوية إلى جزيرة قبرص، فلما انصرفوا من ‏غزوهم قافلين فنزلوا الشام، فقُرِّبت إليها دابة لتركبها فصرعتْها فماتت.[35] والمسلمون يزورون ‏قبرهما في قبرص من ذلك الوقت حتى الآن ويذرفون الدموع ويدعون لهما؛ ولكن كل قطرة دمع ‏تقع هي بمثابة تصديق لرسول الله صلى الله عليه و سلم الذي أخبر خبراً غيبيا، وصدَّقت الأيام ‏والحوادث قوله بكل دقة. وجزيرة قبرص وقبرهما هناك شاهدان لا يمكن لأحد أن يكذبهما.‏

أجل، إن الأيام تظهر على الدوام صدق كل ماقاله وأخبر به رسول الله صلى الله عليه و سلم عندما ‏يحين الوقت المناسب لذلك. لذا، فإننا نجدد على الدوام شهادتنا بأنه رسول الله الصادق الأمين، ‏ونقول بعدد ذرات أجسادنا: "صدقت يا رسول الله!"‏

أجل، قد تقصر تعابيرنا عن إيفاء هذه المعاني حقها، ولكن كل مؤمن يسمع هذا الصوت في ضميره، ‏وهذا الصوت قوي وهادر إلى درجة أن عدم سماعه أو عدم الالتفات إليه يعد إنكاراً له، وهذا شيء ‏مستحيل.‏


‏[1] البخاري، المناقب، 25؛ أبو داود، الجهاد، 97‏
‏[2] البخاري، الاستئذان، 43؛ مسلم، فضائل الصحابة، 98، 99؛ ابن ماجة، الجنائز، 64‏
‏[3] البخاري، المغازي، 83؛ مسلم، فضائل الصحابة، 98‏
‏[4] «سير أعلام النبلاء» للذهبي 2/134؛ ابن ماجة، الجنائز، 65؛ «المسند» للإمام أحمد ‏‏3/197‏
‏[5] البخاري، المغازي، 38؛ مسلم، الجهاد، 52؛ «المسند» للإمام أحمد 1/6‏
‏[6] البخاري، الصلح، 9؛ الترمذي، المناقب، 30؛ النسائي، الجمعة، 27؛ أبو داود، السنة، ‏‏12؛ «المسند» للإمام أحمد 5/49‏
‏[7] «البداية والنهاية» لابن كثير 8/45‏
‏[8] «مجمع الزوائد» للهيثمي 9/404-405‏
‏[9] مسلم، الذكر، 42؛ أبو داود، الوتر، 26‏
‏[10] البخاري، مناقب الأنصار، 9؛ مسلم، الجهاد، 127‏
‏[11] البخاري، المغازي، 29؛ مسلم، الجهاد، 123-125‏
‏[12] «البداية والنهاية» لابن كثير 4/116؛ «السيرة النبوية» لابن هشام 3/230؛ «المسند» ‏للإمام أحمد 4/303‏
‏[13] الترمذي، المناقب، 54 (والصحابي المذكور هو البراء بن مالك أخ أنس بن مالك)‏
‏[14] «الإصابة» لابن حجر 1/143-144‏
‏[15] الظعينة: هو في الأصل اسم الهودج ثم قيل للمرأة في الهودج. (المترجم)‏
‏[16] دُعّار: جميع داعر وهو الخبيث المفسد الفاسق. (المترجم)‏
‏[17] سعّروا البلاد: أسعلوا فيها نار الفتنة وأفسدوها. (المترجم)‏
‏[18] البخاري، المناقب، 25‏
‏[19] «البداية والنهاية» لابن كثير 9/225‏
‏[20] البخاري، الصلاة، 63؛ مسلم، الفتن، 70-73‏
‏[21] الترمذي، المناقب، 34‏
‏[22] «كنز العمال» للهندي 13/539؛ «البداية والنهاية» لابن كثير 7/296‏
‏[23] مسلم، الزكاة، 142؛ البخاري، الأدب، 95، المناقب، 25‏
‏[24] إلى رِصافه: الرصاف مدخل النصل من السهم. والنصل هو حديدة السهم.‏
‏[25] إلى نَضِيِّه: السهم بلا نصل ولا ريش.‏
‏[26] القدح: هو السهم الذي كانوا يستقسمون به.‏
‏[27] قُذَذه: القذذ ريش السهم واحدتها قُذّة.‏
‏[28] سبق الفرث والدم: أي إن السهم قد جاوزهما ولم يعلق فيه منهما شيء. والفرث اسم ما في ‏الكرش.‏
‏[29] مثل البضغة تَدردر: البضعة: القطعة من اللحم. تدردر: تضطرب وتذهب وتجيء.‏
‏[30] البخاري، المناقب، 25، الأدب، 95؛ «المسند» للإمام أحمد 3/56‏
‏[31] البخاري، المناقب، 25، الأدب، 95؛ «المسند» للإمام أحمد 3/56‏
‏[32] «البداية والنهاية» لابن كثير 7/320-321‏
‏[33] «المسند» للإمام أحمد 3/82؛ «مجمع الزوائد» للهيثمي 5/186؛ 9/133‏
‏[34] البخاري، الجهاد، 3، 8؛ مسلم، الإمارة، 160-161‏
‏[35] «الإصابة» لابن حجر 4/441؛ البخاري، الجهاد، 8

 


 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri