| الأخبار الـمتـعلقة بالمستقبل |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |||||
| 2006.09.22 | |||||
الصفحة 3 من 3 بـ - المـسـتقـبل البعيد 1- بنو قـنطوراء أخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم بأن قوماً سيظهرون وسيتسلطون على العالم الإسلامي فقال: «فإذا كان آخر الزمان جاء بنو قَنْطُوراء عِراض الوجوه صِغار الأعين ذُلْف الأُنوف[1].»[2] وتقول كتب التاريخ بأن هؤلاء القوم هم الـمُغول، والحقيقة أن هناك مصيبتين فادحتين ألـمّتا بالعالم الإسلامي وقعت إحداهما في الأندلس من قبل "فردينان (Ferdinand)" وكانت أنموذجاً للوحشية الغربية حيث قتل فيها الناس وأحرقت الكتب والمكتبات. والثانية كانت غزو الـمُغول الذي امتد إلى الأناضول وسورية ومصر، وتم فيه هدم كل معالم الحضارة والتمدن في هذه البلدان وحوّلت إلى خرائب قبل أن يتم انسحابهم. ولكون رسول الله صلى الله عليه و سلم يهتم بأمر أمته وقَدَرها فإنه كان يقوم بتنبيهها بمثل هذه الأخبار، وكأنه يقول لها: عندما تستحق هذه الأمة العقاب فإن الله تعالى يرسل لها الظالمين لتأديبها. فالظالمون هم سيف الله الذي يتم بهم الانتقام أول الأمر، ثم ينتقم الله منهم. أي إن الظالمين لن يهنأوا بظلمهم ولكن الله يسلط الظالمين على المسلمين أول الأمر، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. وهو يحذر أمته من مثل هذه العواقب الوخيمة ومن التصرف بما يغضب الله تعالى ويجلب سخطه؛ ويصور لهم هذه المصائب والعواقب الوخيمة؛ كل ذلك لكي يتجنبوها، لأنه كان أنموذجاً للرحمة وللشفقة. وعندما صدقت الأيام وبعد مضي (6-7) من القرون على ما تَنبّأ به وما أخبر عنه كانت هذه الأيام والتواريخ تشهد على صدقه وعلى صدق نبوته. 2- فتح إسطنبول ينقل الحاكم في "المستدرك" بأن رسول الله صلى الله عليه و سلم أخبر بأن أمته ستفتح إسطنبول التي كانت تدعى آنذاك بـ"القسطنطينية". والرواية هي: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «لَتُفتحَنّ القسطنطينية، فلَنِعْمَ الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش.»[3] وقد حاول كثير من الحكام العظام والقواد الكبار فتح إسطنبول في كل عهد، لكي يكونوا هم المعنيين بهذه البشارة. ولكنهم أتوا إلى إسطنبول ثم رجعوا عنها. فها هو الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري -الذي يعد ضريحه في إسطنبول جوهرة ثمينة في صدرها- شاهد من الشهود حول مجئ الكثيرين إلى أسوار إسطنبول ثم رجوعهم عنها. وأنا في الحقيقة أشعر بالحرج لأنني أضطر إلى تكرار معلومات يعلمها الجميع؛ وأعُدّ هذا مضيعة للوقت ولكني مع هذا أضطر إلى الوقوف حول مسألة أو مسألتين: إن "اولوباطلي حسن" الذي تسلق أسوار إسطنبول في يوم فتحها لم يكن جندياًّ عادياًّ بل خِرّيج مدرسة "أندرون" التي كانت أفضل المدارس آنذاك وصديق دراسة لـ"محمد الفاتح" . كان هؤلاء آنذاك بضعة أشخاص منهم "خضر جلبي" القاضي الأول لإسطنبول و"اولوباطلي حسن" ثم الفاتح الكبير محمد الثاني... فهؤلاء الثلاثة درسوا معاً ونشأوا معاً وكانوا طلاباً في حلقة الدراسة نفسها. تسلق "اولوباطلي حسن" أسوار إسطنبول واستطاع أن يثبت العَلَم العثماني على أسوارها على الرغم من أن جسمه قد أثخن من كثرة الطعنات والجروح. وبعد قليل كان محمد الفاتح بجانبه، فرأى ابتسامة عريضة ترتسم على وجه هذا البطل المسجّى على الأرض، سأله بِحَيْرة: "ما هذه الابتسامة على شفتيك يا حسن؟" أجابه: "لقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يتجول هنا... لقد شاهدت وجهه الجميل... هذا سبب سروري" وقد أخبر صلى الله عليه و سلم بنبأ هذا الفتح قبل تسعة قرون... وها هو في يوم الفتح يتجول بين أبطال هذا الجيش الفاتح. وأنا أقول دائماً استناداً إلى هذا وسأقول بأنه لو اجتمع ثلاثة أنفار معاً بإخلاص قلب وصفاء نية لخدمة الدين فلا بد أن روحانية رسول الله صلى الله عليه و سلم ستكون معهم وتباركهم. وهكذا كان فتح إسطنبول ومن قبله استشهاد الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري دليلاً آخر وشاهداً على صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم؛ ذلك لأنه كان من أوائل من سمع بشرى فتح هذه المدينة. فتَحمّل مشقة الخروج للجهاد من المدينة المنورة حتى الوصول إلى هذه المدينة البعيدة، وأوصى بدفنه عند أعتاب أسوارها.[4] 3- الـوهـن أخبرنا الرسول صلى الله عليه و سلم عن الحوادث القريبة من عصرنا وزماننا، فمن ذلك قوله صلى الله عليه و سلم: «يوشك الأمم أن تَداعَى عليكم كما تَداعَى الأَكَلةُ إلى قَصْعَتها.» فقال قائل: ومِن قِلّة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غُثاء كغثاء السيل، ولَينزِعَنّ الله من صدور أعدائكم المهابة منكم وليقذِفَنّ الله في قلوبكم الوَهَن.» فقال قائل: يا رسول الله وما الوَهَن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت.»[5] عند إلقاء نظرة واحدة إلى هذا الحديث نفهم منه أنه سيأتي يوم تتداعى علينا الأمم وتتجمع ضدنا؛ وأنها ستقوم بنهب ثرواتنا الظاهرة منها والمخفية تحت الأرض؛ وتتقاسم هذه الثروات فيما بينها بعد أن تضع يدها عليها بكل وقاحة؛ وأننا سنقوم بوضع مائدتنا أمامهم وتهيئة اللقم لأفواههم؛ وأنهم سيبتلعون ما وضع أمامهم بشهية لا تَعرف الشبع... ولماذا يكون كل هذا؟ لأننا آنذاك لسنا أمة أصيلة مثل شجرة باسقة، بل نشبه الزبد والأوساخ التي تجرفها السيول... أجل، فمقابل خلافاتنا الفكرية والمزاجية التي مزّقتْنا شيعاً وأحزاباً، وحّدت المنافع والمصالح الدنيوية أعداءنا، وجعلتهم جبهة واحدة ضدنا فغلبونا وأذلونا. كان الأعداء يخشوننا سابقا، لأننا كنا لانخشى الموت مثلهم، بل نُقبل على الموت فرحين مستصغرين الدنيا ونراها لا تساوي شيئاً بالنسبة للآخرة؛ أما الآن فقد أصبحنا نخشى الموت ونحب الحياة الدنيا ونتعلق بها أكثر منهم، وهم يعرفون ضعفنا هذا ويستغلونه أبشع استغلال فيضربوننا في الصميم. قد يبدو هذا الحديث لأوّل وهلة وكأنه يتحدث عن الحروب الصليبية ويخبر عنها، ولكن إن تمعّنّا قليلاً لرأينا أنه ينطبق وبوضوح تامّ على الحوادث القريبة أيضاً. كتب السيد "رائف قَرَه داغ" كتاباً أسماه "عاصفة البترول "، وقد اغتيل بسبب كتابه هذا، لأنه شرح في هذا الكتاب ما تَعرّض له الأتراك في القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين من غدر وخيانة، كما شرح المؤامرات التي حاكها الأعداء. كلنا يعرف كيف تكالب الأعداء على الدولة العلية العثمانية،[6] فقد كان كل همهم الاستيلاء على ثرواتها ما ظهر منها وما بطن؛ وكان هذا التكالب والافتراس وحشياًّ بدرجة أفظع من أشد الحروب الصليبية شراسة... أجل، فقد دعا بعضهم بعضاً إلى هذه المائدة واقتسموا ثروات البلاد فيما بينهم ونهبوها. قام أصحاب نحلة معينة كانت تُدبِّر الفتنة في الخفاء بضرب النظام في عهد عثمان وعلي رضي الله عنه من الخلف فصبغوا ذلك العهد الراشدي المنير بالدم، وقام أحفاد هؤلاء بضرب آل عثمان من الخلف أيضاً وحرموا العالم الإسلامي من الرأس الموجه ومن القيادة الواحدة. تسابقوا علينا كمن يتسابق للوصول إلى مائدة شهية معدّة لهم... كانوا كما وصفهم الشاعر محمد عاكف: "بلايا مختلفة... هذه البلايا اجتمعت ونهشت جسد الدولة العثمانية ومزقته إرباً إرباً ونهبت ثروتها وسرقتها. هجم علينا الصليبيون في الماضي تحت تأثير فكرة معينة، وكانت هذه هجمة الشخص الأوروبي الساذج الأحمق. فالجموع الأوروبية الساذجة المخدوعة كانت تتصور أنها آتية لإنقاذ قبر مريم العذراء. وما كانوا يعرفون بأننا نبجل ونحترم مريم العذراء أكثر منهم، ذلك لأننا نعتقد أن مريم العذراء ستكون زوجة لرسولنا صلى الله عليه و سلم في الجنة، أي إننا ننظر لها كأم للمؤمنين،[7] ولو كانت سيدتنا مريم العذراء حية لكنا نحن المدافعين عنها ضد أي شخص يريد مسها بأذى من قريب أو بعيد. ما أريد أن أقوله هنا هو أن الإشارات الواردة في أحاديث رسولنا صلى الله عليه و سلم ليست في حق الحروب الصليبية التي كانت نتيجة لمثل هذا التفكير الباطل والاعتقاد الخاطئ، بل هي تومئ إلى الحوادث المرعبة التي جرت في تاريخنا القريب والتي تجري الآن بكل ضراوتها وقسوتها؛ فالغرب لا يزال متفقاً ضدنَا ولا يزال العالم الإسلامي مائدة مفتوحة أمامه، ولم يتخلص بعد من هذا الوضع. إذن، فما قيل قبل أربعة عشر قرناً لايزال يتحقق بحذافيره، ونحن نعيش هذا الواقع الآن. 4- فـتـنـة الشيوعية يروي عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم توجه يوماً نحو الشرق وقال: «ألا إن الفتنة هاهنا من حيث يطلع قَرْنُ الشيطان.»[8] فهناك احتمال قوي أن الرسول صلى الله عليه و سلم كان يريد بهذا الحديث الإشارة إلى الفتنة التي ستظهر من جهة الشرق كبديل لأوروبا الظالمة. وكلمة "قرن" الواردة في الحديث تأتي بمعنى القرن الموجود في الحيوانات، أو تأتي بمعنى "العصر"، وأنا أرى أن المعنى الأخير هو المعنى المقصود، أي أن القرن هنا يأتي بمعنى العصر أو العهد، أي أن "قرن الشيطان" معناه "عصر وعهد الشيطان" وهو نقيض "عهد النبوة". فهذا النظام الشيوعي قائم على الإلحاد وعلى الإباحية وعلى جميع المفاسد الشيطانية التي تحاول التسلل إلى القلب عن طريق النفس الأمّارة... ومع أن هذا النظام الشيوعي الذي يُعَدّ الابن غير الشرعي للنظام الرأسمالي يحتضر في هذه الأيام إلا أنه لا يزال يعد ألد أعداء الدين والمقدسات والمواريث التاريخية، ولا يزال كابوساً مخيفاً،[9] وأنا أعتقد أن رسول الله صلى الله عليه و سلم يطلق على هذا العهد الذي سيطر فيه هذا النظام الشيوعي على مساحات واسعة من العالم... يطلق عليه "العهد الشيطاني" أو "القرن الشيطاني" ويحذر أمته من هذا الوباء ومن هذا البلاء. 5- كـنـز نهر الفرات يقول الرسول صلى الله عليه و سلم: «يوشك الفُراتُ أن يَحسِر عن كنز من ذهب -أو جبل من ذهب- فمن حضره فلا يأخذ منه شيئاً.»[10] لقد جرت مقاتل كبيرة بالقرب من نهر الفرات حتى الآن. وإذا تناولنا التاريخ القريب نرى قتالاً كبيراً جرى بين العراق وإيران قرب نهر الفرات. وفي سنة 1958 وقعت قرب نهر الفرات مجزرة قتل فيها أحفاد الرسول صلى الله عليه و سلم. إن هاتين الحادثتين لا يصح إيرادهما كتفسير للحديث الشريف أعلاه، غير أنه حتما يشير إلى حادثة مستقبلية ستجري هناك. مثلا قد تصبح مياه الفرات ثمينة مثل الذهب في عهد من العهود في المستقبل، والحديث يشير إلى هذا بشكل مجازي، أو أن الواردات التي سيتم الحصول عليها بعد إنشاء الخزانات والسدود عليه ستكون ثمينة وقيمة مثل الذهب. أو قد يكون معناه بأن مياه الفرات ستنحسر تماماً وتكتشف تحتها منابع نفط غنية أو مناجم ذهب. ولكن مهما يكن فلا شك أن هذه المنطقة منطقة نهر الفرات ستكون مثل قنبلة موقتة وخطرة للعالم الإسلامي. هذه الأمور والحوادث لم تظهر حتى الآن، فهي من الحوادث المستقبلية، وسيهتف الأقوام الذين سيدركون ويشاهدون تحقق هذه النبوءة "صدقت يا رسول الله!" وسيجددون إيمانهم. 6- رجوع المسيحية إلى نقائها القديم ينبئنا الرسول صلى الله عليه و سلم بأن المسيحية ستنقرض وتزول وستتحد مع الدين الإسلامي.[11] أجل، فعندما يقوم الملحدون بإلقاء القبض على المؤمنين، يقوم الذين بيدهم القوة الجوية بنصرة المؤمنين بعون من الله تعالى رغم أنوف الملحدين حيث سيكسرون شوكة الملحدين. في هذه الحرب العالمية ستملأ الجثث كل مكان... وستقوم النسور بنقل هذه الجثث المنتشرة في كل مكان على سطح الأرض، والنسور هنا رمز لمؤسسة معينة وتحمل معنى خاصاًّ وإيماءة خاصة. 7- الإصلاحات في الزراعة ستكون هناك تطورات وقفزات في الزراعة، ونتيجة هذه التطويرات ستكون ثمرة الرمان ثمرة ضخمة تكفى الواحدة منها عشرين شخصاً. ويستطيع الشخص أن يستظل في ظل قِحْفها.[12] كذلك ستكون حبات القمح حبات ضخمة. هذه الأمور غير موجودة حالياً ولا نراها ولكنها ستكون موجودة في المستقبل بكل تأكيد، ستكون مصداقاً لنبوة رسولنا صلى الله عليه و سلم ووسيلة لزيادة الإيمان به، لأن العصور والقرون ستكون شاهدة ودليلاً على صدقه.[13] إننا مفتونون بالمستقبل الذي سيولد من رحم الغيب، ولكننا في هذا المستقبل لن نجد سوى نوره صلى الله عليه و سلم... فإذا انطفأ هذا النور فستصبح الحياة ظلمة أبدية. 8- عدم الـتـوازن في أيامنا الحالية لنرجع إلى الأخبار والإشارات المتعلقة بزماننا الحالي. يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم: «إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام وشهادة الزور وكتمان شهادة الحق وظهور القلم.»[14] يصف هذا الحديث أيامنا الحالية وصفاً لا يحتاج إلى أي تأويل أو تفسير. ستروج التجارة إلى درجة أن مقادير هائلة من رؤوس الأموال بالملايين وبمئات الملايين بل المليارات من الدولارات تستخدم فيها، إذ أن الملايين تصرف في الإعلانات وحدها، وكثيراً ما تستخدم المرأة في هذه الإعلانات وأحياناً تكون المرأة شريكة مباشرة في التجارة فتنزل إلى الأسواق وإلى المعارض، ولا يذهبن الظن بأحدكم بأنني ضد التجارة، وإنما أريد فقط الإشارة إلى صحة ما ورد في كلام رسولنا صلى الله عليه و سلم. وستنقطع صلة الأرحام، فحقوق الأم والأب وحقوق الأقارب سوف تهمل ولا يرعاها أحد، ولا يلتفت إليها بل تداس تحت الأقدام، وعندما يشيخ الأب والأم ويتقدم بهما العمر ويصبحان في حاجة إلى الرعاية والاهتمام والحنان يرسلان إلى دار العجزة وإلى دور المسنين لعلهما يجدان العناية التي لا يجدانها في بيتهما، هذا على الرغم من أن الله تعالى ذكر بأن حقوق الوالدين تأتي مباشرة بعد حقوقه سبحانه و تعالى.[15] ولكن وصايا الله تعالى ستهمل ولا يلتفت إليها أحد، وسيتعرض الآباء والأمهات إلى معاملات وحشية ومهينة وإلى عقوق كبير. أتنطبق هذه الشروح على أيامنا الحالية أم لا؟ سأترك هذا لفطنة القراء. سيزداد تقدير القلم أي التأليف والكتابة وستعمل المطابع ليل نهار لتخرج مئات وآلاف الجرائد والمجلات والكتب، وستقوم دور النشر والطبع بطبع ونشر الكتب ودوائر المعارف، وستمتلئ رفوف المكتبات بآلاف من مختلف الكتب، وستنقلب الكتابة إلى مهنة رائجة ويحترم الكتاب والمؤلفون. وسيروج الكذب وشهادة الزور حتى تندر الشهادة الصادقة، إذ ينقلب المجتمع إلى مصنع لإنتاج وترويج الأكاذيب، وستستند الحياة الاجتماعية إلى الكذب والتلفيق والخيانة. والموضوع يكتسب وضوحاً شديداً إلى درجة أن بعضهم قد يتساءل: "أصحيح أن هذا الكلام يعود لرسولنا صلى الله عليه و سلم؟" والإجابة على هذا السؤال بسيط جدا، فهذا الحديث مدون قبل ثلاثة عشر قرناً وهو موجود في كتب الحديث منذ ذلك الوقت. فإن لم تكن هذه الأقوال عائدة لرسول الله صلى الله عليه و سلم فإلى من تعود؟ ومن يستطيع شرح وبيان الأحداث التي ستأتي بعده بعدة قرون وعصور وكأنه يراه رأي العين..؟ من يستطيع ذلك غيره؟ ثم لو كانت هذه الأقوال لشخص آخر غيره فإن معنى هذا أن صاحبها يملك رؤية نورانية نحو المستقبل كرؤية الرسول صلى الله عليه و سلم. ولكن هل و جد في التاريخ رجل آخر يمكن أن يكون نداًّ أو شبيها له لكي تسند هذه الأقوال إليه؟ كلا... فهذه الأنباء عن الغيب تعود لرسول الله صلى الله عليه و سلم، فقد علمه ربه وقام هو بإخبارنا وإعلامنا. أجل، فهذه الحوادث التي ظهرت في أيامنا دليل قاطع على مدى صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم. 9- انـتـشار العلم جاء في حديث قدسي أن الله تعالى يقول: «أبُثّ العلم في آخر الزمان حتى يعلمه الرجل والمرأة والعبد والحر والصغير والكبير.»[16] فالناس على اختلاف طبقاتهم اليوم يدرسون في مختلف المدارس ذات المستويات المختلفة، واصبحوا يتنافسون في الحصول على العلم. فكثرة الجامعات والمدارس وانتشار أجهزة الاتصال والمخابرة واستعمالها في مجال نشر العلم يدلنا على أن مانقله الرسول صلى الله عليه و سلم عن ربه هو إشارة إلى عصر العلم والمعرفة، وأن التطورات الحاصلة في هذا المجال تؤيد هذه النبوءة وتصدقها. فكأن هذه المؤسسات العلمية تقول بلسان حالها لرسولنا "أنت صادق في كل كلامك" بل إن العلوم نفسها ستقول هذا بعد أن تحول إلى مجراها الأصلي والحقيقي. 10- الفرار من القرآن هناك حديث آخر ينطبق أيضاً على أيامنا حيث يقول: «لا تقوم الساعة حتى يُجعل كتابُ الله عاراً ويكون الإسلام غريباً.»[17] فبينما يظهر الكافر كفره بكل صراحة وبكل علانية، فسيخجل المسلم من إسلامه، ولا يصرح به إلا وهو محرج. وبينما يعلن الكفار عن أفكارهم وعن مطبوعاتهم وكتبهم في كل مكان، لا يستطيع المسلم فتح المصحف وقراءته علنا، وستكون الضغوط النفسية قاسية وثقيلة إلى درجة أنه ما من شخص يستطيع إعلان أنه من أنصار القرآن دون أن يشعر بالخجل حتى ولو لم يكن هناك قانون يمنع هذا. أيستطيع أحد أن ينكر هذه الحقيقة الواضحة الآن؟ أوليست هذه إحدى المآسي التي يعيشها المسلم الآن؟ ألم يرجع الإسلام غريباً؟ والآن دعونا نختم تصوير هذه الأحوال المؤلمة لنقول أن رسولنا صلى الله عليه و سلم أخبرنا ومنذ عدة قرون بما سيحدث مستقبلا، وكلما جاء زمن ذلك الخبر ظهر بشكل يوافق كلامه في كل شيء ويصدقه حتى في تفاصيله الدقيقة. ليت شعري! ألا يكفي هذا لكي نرجع ونجدد البيعة له؟ 11- مفهوم الزمن وفي حديث آخر يقول الرسول صلى الله عليه و سلم: «لا تقوم الساعة حتى يكون القرآن عاراً ويتقارب الزمان وتنتقض عراه.»[18] وكلمة "التقارب" الواردة في الحديث تعني اقتراب شيئين من بعضهما، وهذا يشير من جهة إلى نسبية الزمان، ومن جهة أخرى إلى أن الأمور التى كانت تأخذ وقتاً طويلاً لإنجازها في العهود السابقة ستنجز في وقت قصير. فمن المعلومات البديهية التي يعلمها الآن حتى الأطفال أن التقدم الصناعي والتكنولوجي جعلنا ندخل إلى عالم من السرعة المذهلة في كل ناحية من نواحي حياتنا. وكما يشير الحديث الشريف إلى هذا الأمر فإنه يشير من ناحية أخرى إلى وسائط النقل السريعة التي قربت المسافات. كما أود الإشارة إلى مسألة يعرفها من يعمل في مجال علم الفلك والفيزياء الفلكية. وهي أن الأرض تأخذ تدريجياًّ وبمرور الزمن شكلاً بيضويا، وهذا التغير يؤثر على الزمن وعلى ساعاتنا دون أن نشعر. وهناك معنى آخر أفهمه من هذا الحديث وهو: أن للزمن ماهية نسبية، ولكن مع هذا فأينما كان فالزمن هو زمن، فلو ذهبت مثلاً إلى برج الثور ونظرت من هناك إلى سحابة تبعد عنك أربعين مليون سنة ضوئية وتتحرك بسرعة 150 ألف كيلومتر في الثانية فستشاهد أزماناً مختلفة. ولو استطاع الإنسان يوماً الخروج خارج المجموعة الشمسية فلا شك ان المفهوم الحالي للزمن سينقلب عنده رأساً على عقب. وهكذا فبوساطة كلمتين سحريتين وهما "تقارب الزمان" يشير رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى ما سيحدث من تغير في مفهوم الزمن عندنا. ولنا أن نتساءل الآن: أمثل هذا القول قول بشر؟ من غير صاحب الزمان والمكان الذي يغيرهما بيد القدرة... من غيره كان يعلم مثل هذه الحقائق..؟ أكان هذا العلم ضمن قدرة شخص أمي عاش في بيئة أمية..؟ كلا طبعاً. فالله هو الذي علمه هذا من علمه وقام صلى الله عليه و سلم بتبليغنا بذلك. الأيام والشهور والأعوام والعصور تمضي والعلم والتقنية تتقدمان بخطوات جبارة، وعندما يتم الوصول إلى الهدف نرى هناك الحقائق التي أخبرنا بها رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل عدة قرون، فلا يستطيع رجل العلم أن يخفي إعجابه فيقول من كل قلبه "أنت هو الصدق بعينه يا رسول الله!" 12- انـتـشار الربا سيأتي يوم ينتشر فيه الربا ويفشو حتى لا يستطيع أن يتخلص منه من لا يتعامل به إذ سيصيبه غباره. وهناك حديث حول هذه العلة التي تعد من أكبر العلل الموجودة في يومنا هذا، والتي تنتشر انتشار السرطان كل يوم وتتوسع. «ليأتين على الناس زمان لا يبقى منهم أحد إلا آكل الربا فمن لم يأكل أصابه من غباره.»[19] هناك نقطتان تجذبان الانتباه في هذا الحديث: الأولى: بما أن جميع مبالغ ونقود الدولة تنطبخ في قدور الربا، وبما أن جميع المصارف -الربوية منها وغير الربوبة- وجميع المؤسسات المالية حتى غير الربوية منها تتعامل بعضها مع البعض الآخر، فإن الإنسان مهما أراد الحيطة في هذا الموضوع فلا بد أن يصيبه شيء من هذه العلة التي أحاطت بكل مظاهر الحياة واحتوتها، أي سيطفر إليه أيضاً شيء منها. ولا يستطيع الإنسان أن ينجو منها إلا بنيته، أي إن نيته هي حصنه وملاذه الوحيد. الثانية: هناك معنى آخر في اللغة العربية لتعبير "أصابه من غباره" الوارد في الحديث: إذ يقوم قسم من الناس بأكل الربا، أما الذين لا يأكلونه فسيصيبهم غباره. فالرأسماليون سينمون ثرواتهم بالربا ويضاعفونها به؛ وفي الوقت نفسه ستزداد الطبقة العاملة بؤساً وسفالة بنفس النسبة؛ مما سيؤدي في النهاية إلى صراع بين هاتين الفئتين وإلى تصاعد غبار المعركة المحتدمة بينهما؛ مما يغرق المجتمع في اضطرابات وفتن لا أول لها ولا آخر. ولا ينجو أحد من مشاكل ومصائب هذا الصراع وهذه الفتنة. وأنا أعتقد بأن كل هذا قد حصل وهو يحصل الآن. والإنسان المعاصر يشاهد ما أشار إليه الحديث لكلا هذين الأمرين ويقاسي منهما؛ فلم تعد هناك اليوم مؤسسة لم تتلوّث بالربا من قريب أو بعيد،؛ فالتجارة العالمية كلها تدور اليوم حول محور الربا؛ والمعاملة الربوية في العالم كله تَلقى قبولاً عاماًّ وتُعدّ بمثابة تبادل نقدي. قام رسول الله صلى الله عليه و سلم بتحذير أمته قبل عدة قرون من هذه الأزمة التي يتعرض لها الإنسان المعاصر، وطلب منها أن تكون منتبهة ويقظة وإلا وقعت في مستنقع الربا؛ ولكنه لا يبدي أي محاولة جدية للخروج منه؛ هذا مع العلم أن الإسلام دين أعلن الحرب على الربا. [20] لو أن المسلمين فهِموا جزءاً من هذا التهديد القرآني؛ لَما كانوا من آكلي الربا، ولما كانت أمتهم من أكثر أمم الأرض بؤساً وسفالة. 13- زمان استخفاء المؤمن حديث آخر يصور عهدنا: «يأتي على الناس زمان يستخفي المؤمن فيهم كما يستخفي المنافق فيكم اليوم.»[21] كيف كان المنافق يتصرف آنذاك؟ سيقوم المؤمن باستعمال الأساليب والوسائل نفسها التي كان يستعملها المنافق في عهد الرسول لكي لا يكشف نفسه؛ سيخفي نفسه وسيخفي عبادته وصلاته، وإلا تعرض لمضايقات وآلام كثيرة. ذلك لأن الطغمة الفاسدة والشريرة لا ترضى أبداً إعطاء فرصة لأمثال هؤلاء للعيش فيما بينهم. فأبواب العمل وكذلك بعض أقسام الوظائف الحكومية تكون مسدودة أمامهم، ويكونون مهانين ومحتقرين في المجتمع. وهناك حديث آخر يقوي هذا المعنى: «ستكون فتنة يفارِق الرجل فيها أخاه وأباه؛ تطير الفتنة في قلوب الرجال منهم إلى يوم القيامة حتى يعيَّر الرجل فيها بصلاته كما تُعيّر الزانية بزناها.»[22] ومن الطبيعي أن تعيير المرأة بالزنى هو تشبيه لدرجة عيب الزنا آنذاك؛ غير أن الزنى أصبح الآن أمره هينا، بل يعد مهنة في بعض الأوساط. أجل، فإذا قمنا بوضع بعض العهود التي أهين فيها الإنسان لصلاته.. إذا وضعنا هذه العهود جانبا.. فإن هناك عهوداً قادمة سيُحتقر فيها المؤمن وستُعد الصلاة أمراً معيباً من قبل الفئات الحاكمة والظالمة التي سيئنّ المؤمنون تحت قبضتها القاسية، ولا يجدون أمامهم حلاً سوى إخفاء صلاتهم وعباداتهم. 14- النفط في الطالَـقان يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم: «ويحاً للطالَقان! فإن لله فيه كنوزاً ليست من ذهب ولا فضة.»[23] وكلمة "ويح" تستعمل في العربية لبعض البشارات التي تشبه الابتسامة المُرّة. فعندما أخبر رسولنا صلى الله عليه و سلم عمّار بن ياسر أنه سيستشهد استعمل التعبير نفسه فقال: «ويحك يا عمّار!.»[24] أما الطالَقان[25] فهي اسم لمنطقة غنية بالبترول في قزوين، أي أن مآل الحديث هو ما يلي: «ويحاً للطالَقان! فإن لله فيها كنوزاً ليست من ذهب ولا فضة.» وقد تكتشف في هذه المنطقة معادن أخرى كاليورانيوم أو الألماس؛ ولكن هذا لن يغير النتيجة؛ فرسولنا تَحدّث عن كنوز ليست من ذهب ولا فضة وقد ظهرت هذه الكنوز في أيامنا هذه. إذن، فحتى البترول الذي تم اكتشافه في طالَقان يصدّق رسول الله ويعترف بنبوته. 15- اتباع أهل الكتاب أخبرنا الرسول صلى الله عليه و سلم بأن العالم الإسلامي سيقوم بتقليد الأمم السابقة، أي بتقليد اليهود والنصارى خطوة فخطوة حتى لو أن واحداً منهم أدخل رأسه في جحر ضَبّ لَقلّده المسلمون وأدخلوا رؤوسهم في الجحر. ويشرح الرسول صلى الله عليه و سلم هذا الأمر بكلماته البليغة الوجيزة: «لتتّبعُنّ سَنَن الذين من قبلكم شِبْراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا في جُحْر ضَبّ لاتبعتموهم.» قلنا: يا رسول الله! اليهودَ والنصارى؟ قال: «فمن؟.»[26] وموقفنا اليوم وموقف العالم الإسلامي اليوم معلوم للجميع... لقد فقدنا شخصيتنا وبدأنا نئنّ تحت أزمات فقدان الهويّة؛ وأصبحنا أشبه بالغنم الحائر بين قطيعين... لقد أصبحت العوامل التي كانت في وقت من الأوقات كافية لهدم الدول الأخرى والقضاء عليها تحيط بنا من كل جانب كالأخطبوط. وبدلاً من الانتباه والحذر فإننا لِغفلتنا حسبنا شباك الموت هذا من علامات المدنية وشروطها... أجل، فما من أمة في العالم قلدت الغرب في أي عهد من العهود مثل تقليدنا له والذي أصبح يحمل صفة الإدمان المزمن؛ فما من شيء جديد يظهر في الغرب حتى نقبله هنا دون أي تدقيق أو تمحيص؛ وأحياناً تفوق سرعة قبولنا له الكثير من الأمم الغربية. هذا بينما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يخالفهم حتى في الكثير من المسائل الثانوية والفرعية.[27] وليست هذه المسألة مناط بحثنا، لذا لا نريد تفصيلها. ولكن الأمر الذي نريد الوقوف عنده والتأكيد عليه هو قيام رسول الله صلى الله عليه و سلم بإخبارنا بحدوث هذه المسائل والحوادث قبل عصور وقرون عديدة؛ ولقد وقعت وتحققت هذه الحوادث في حينها وساعتها. فكل حادثة تتجلّى عند كلام رسول الله صلى الله عليه و سلم بشكل بشارة أو إنذار، تقوم بتصديق رسول الله صلى الله عليه و سلم بلسان فصيح عندما يأتي وقتها. [1] ذلف الأنوف: في أنوفهم فطس وقصر، مع استواء الأرنبة وغلظها. (النترجم). [2] البخاري، الجهاد، 95، 96؛ أبو داود، الملاحم، 10؛ ابن ماجة، الفتن، 36؛ «المسند» للإمام أحمد 5/40، 45 [3] «المستدرك» للحاكم 4/422؛ «المسند» للإمام أحمد 4/335 [4] «الإصابة» لابن حجر 1/405 [5] أبو داود، الملاحم، 5؛ «المسند» للإمام أحمد 5/278 [6] أنا ضد استعمال تعبير الإمبراطورية العثمانية ذلك لأنها لم تكن إمبراطورية بل أفضل دولة إسلامية بعد عهد الصحابة والتابعين وأكثرها إشراقا وزهوا ومجدا. (المترجم) [7] «كنز العمال» للهندي 11/424 [8] البخاري، الفتن، 16؛ مسلم، الفتن، 45 ؛ «المسند» للإمام أحمد 2/50، 72 [9] أطلقت هذه الكلمات سنة 1989 [10] البخاري، الفتن، 24؛ مسلم، الفتن، 30؛ أبو داود، الملاحم، 13 [11] انظر: مسلم، الإيمان، 244-247 [12] قِحْفُ الرُّمّانة: قِشْرها. (المترجم) [13] مسلم، الفتن، 110؛ الترمذي، الفتن، 59؛ «المسند» للإمام أحمد 3/182 [14] «المسند» للإمام أحمد 1/407-408؛ «المستدرك» للحاكم 4/98 [15] انظر هذه الآيات: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً} (البقرة: 83)، {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحساناً} (النساء: 36)، {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً...} (الإسراء: 23). [16] الدارمي، المقدمة، 27 [17] «كنز العمال» للهندي 14/244 [18] «مجمع الزوائد» للهيثمي 7/324 [19] ابن ماجة، التجارة، 58؛ «المسند» للإمام أحمد 2/494؛ النسائي، البيوع، 2 [20] انظر الآية: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذَرُوا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ` فإن لم تفعلوا فأْذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلَمون} (البقرة: 278-279). [21] «كنز العمال» للهندي 11/176 [22] «مجمع الزوائد» للهيثمي 7/307 [23] «كنز العمال» للهندي 14/591 [24] البخاري، الصلاة، 63؛ مسلم، الفتن، 70-73؛ «المسند» للإمام أحمد 2/161، 164 [25] الطالَقان: بلدتان إحداهما بخراسان بين مَرْوْ الروذ وبَلْخْ. (المترجم) [26] مسلم، العلم، 6؛ البخاري، الأنبياء، 50 [27] أبو داود، الصلاة، 88؛ «المسند» للإمام أحمد 5/264-265 |
|||||
| < السابق | التالى > |
|---|



