الأرواح الممتزجة بالآلام طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 4
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.21

الألم لا يسكن لحنَه إلا في صدر ملتاع

ليملأ الجسد بنحيب محترق

الذين وهبوا قلوبهم للمبادئ السامية وتحملوا آلامها وأوجاعها يقضون حياتهم كمبخرة تضطرم فتنشر روائح زكية. تولد الشمس وتغرب، وتتتابع الأسابيع والأشهر، وتتوالى المواسم موسماً إثر موسم وهكذا تمضي وكذا يبقى هؤلاء وهم يبحثون في ضوء مبادئهم عن ربيعٍ آخر... يعيشون موسم الخريف على الدوام ويسمعون أغانيه الحزينة، ولكنهم لا يشكون من حالهم ولا من أحد، يتحملون كل ألم وعذاب في سبيل دعوتهم السامية التي أقسموا على نصرتها وساروا في دربها، ولا يصيبهم سأم ولا ملل.

هذه الأرواح النيرة العاشقة لغايتها الجياشة بالبشائر تعلم مسبقاً أن هناك صعاباً جمة في طريقها، وودياناً سحيقة عليها أن تتجاوزها، لذا فقد أخذت هذا الأمر في حسبانها وتهيأت له، فلا تستطيع المشاكل المفاجئة، ولا المخاطر العديدة التي تقطع عليهم الطريق أن تحيرهم ولا أن تبعث الشكوك في نفوسهم حول دعوتهم. فهم على يقين من أن يوماً سيأتي يزول فيه كل خطر، وتنفتح فيه كل الطرق لتقلب الاستحالات إلى أمور ممكنة، فعزمهم لا يفتر، وأملهم لا يخبو.

لذا لا ينجرفون إلى اليأس والقنوط أمام أكثر الحوادث بعثاً لليأس، وأكثر الظروف قتامة وظلاماً، بل يتخطون العقبات بسرعة البرق ويتوجهون نحو أهدافهم مسرعين لاهثين.

تراهم على أهبة الاستعداد لما يدور حولهم بكل دقة وحساسية، ولا سيما إن كانت ذات علاقة بدنْيا أفكارهم... يمتزجون مع المجتمع الذي يعيشون فيه امتزاجاً قوياً بحيث إن رأوا فرداً قد انحرف عن الطريق السوي، أو أسرة تكاد روابطها تنحل، أو قيمة معنوية تُسند المجتمع قد تضررت، طار النوم من عيونهم أياماً وتقلبوا على فراش الألم والأنين.

أكثر ما ينفرون منه اللامبالاة، لذا يحسون بمشاكل وأوجاع كل شرائح المجتمع وكأنها خنجر مغروز في قلوبهم، ويطوون آلام مجتمعهم في صدورهم. وكم من ليالٍ نبضت قلوبهم بالآلام والصداع يكاد يفجر رؤوسهم، فهم وحيدون غرباء مع كونهم داخل الحشيد من الناس.

تمر لياليهم بالحسرات طوال عمرهم، لا يحس بهذا أحد غيرهم. وكما قال الشاعر باقي:

لا يدري المنجم وحاسب الأوقات ضنى الليالي السود الطويلة

لذا فاسأل من أصابه الهم والغم كم ساعة تمتد هذه الليالي

يرتبط الإنسان بمبدأ ما بقدر إيمانه به وتغلغله في قلبه. وبنسبة ارتباطه هذا يحس بالفرح مرة وبالعذاب والأسى مرة أخرى. لذا وحسب هذا المقياس فهناك من يصرف في سبيل دعوته يوماً أو أسبوعاً... شهراً أو سنة أو سنوات. وهناك من يجعل من دعوته هدف عمره وحياته، بحيث لو كان له من الرؤوس بعدد ما في رأسه من الشعر، وطلب منه في سبيل دعوته كل يوم واحدا منه لفداه بلا تردد وبلا منة ولا أذى. وقد كان سيد الرسل والأنبياء صلى الله عليه وسلم في ذروة هذا الأمر حتى أن الله تعالى خاطبه قائلاً {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} (الكهف: 6).

وكم من أفذاذ اقتفوا هذه الفطرة التي لا مثيل لها صلى الله عليه وسلم قضوا حياتهم وهم يتنفسون الألم ويقاسون آلام الفكر، ويقومون ويقعدون مع الآلام. وشدة الآلام عند هؤلاء تتناسب طردياً مع درجة سموهم وعظمتهم الروحية، فكلما قاسوا ارتفعوا، وكلما ارتفعوا قاسوا، حتى تطهّروا من كل ذنب وأصبحوا لغزاً من ألغاز السماء. أجل!.. ليس هناك ما يطهر الإنسان من ذنوبه وينقيه ويسمو به مثل المعاناة في سبيل الحق تعالى وفي سبيل صلاح الأمة. وقد ورد في الحديث: "إن من الذنوب ذنوبا لا تكفرها الصلاة ولا الصيام ولا الحج ولا العمرة، تكفرها الهموم في طلب المعيشة."(1) فما بالك بمعاناة الآلام في سبيل إنقاذ الأمة وإنقاذ المجتمع الذي نعيش فيه!.

إن أكثر ما نحتاج إليه اليوم ليس هذا أو ذاك بل نحن في أمس الحاجة إلى من يقول: "إنني أرضى في سبيل سعادة أمتي المادية والمعنوية أن أُحرق في لهيب جهنم".. إلى من يفني نفسه في سبيل الحق تعالى والأمة ضاربا عرض الحائظ بمنافعه وبمصالحه الشخصية.. إلى من يتلوى بآلآم المجتمع ويتأوه.. إلى من يحمل في يده شعلة العلم ليشعل في كل مكان أقباساً وأنواراً تطارد الجهل والسفاهة وتطردهما.. إلى من يهرع بكل عزم وإيمان إلى الذين ضاعوا بين الطرق ويمد لهم يد العون والمساعدة.. إلى من يستمر في طريقه كجواد أصيل دون أن يشكو من الصعاب التي تعترض طريقه ودون أن يتأفف أو ييأس.. إلى أبطال نسوا أذواق العيش والحياة لأنفسهم وفضلوا عليها لذة خدمة الآخرين في عيشهم وحياتهم.


[1] كنز العمال للمتقي، رقم الحديث: 16600، 16640؛ وانظر: مجمع الزوائد للهيثمي، 2/291؛ كشف الخفا للعجلوني، 1/297.

 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri