| وظيفة السنة |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.22 | |
|
السنة مصدر آخر للتشريع بجانب القرآن الكريم، تقوم -مثل القرآن الكريم- بتحليل بعض الأشياء وتحريم أخرى، وتضع مقاييس الفرض والواجب والسنة والمستحب والمباح والمكروه، كما تقوم بتفصيل مجمل القرآن وتفسير مبهمه وتخصيص عامه وتقييد مطلقه. والآن لنشرح هذه الأمور بعض الشيء. 1- تفسير القرآن نقرأ كل يوم في صلاتنا سورة الفاتحة ونتضرع إلى الله تعالى بأن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. ومع أن صفة المغضوب عليهم وصفة الضالين صفتان عامتان فهناك حديث شريف يقول: «فإن اليهود مغضوب عليهم، وإن النصارى ضُلاّل.»[1]) وهكذا يقوم الحديث بتفسير القرآن. فاليهود استحقوا الغضب منذ تاريخهم الماضي المظلم وفي أثناء العهد النبوي، وهم أول من يتبادرون إلى الذهن في هذا الخصوص على قاعدة أن "مطلق الذكر ينصرف نحو الكمال"، لأنه لا يوجد أحد مثلهم يستحقون الغضب، وذلك بقتلهم الأنبياء وبأخلاقهم الخسيسة وعاداتهم السيئة وعبادتهم للمال وكونهم حتى الآن ممثلي المادية في القرن العشرين، لذا فلا يملك الإنسان إلا الموافقة على هذا التفسير النبوي الشريف. ولاشك أن هذا الغضب الإلهي يشمل كل من اتصف بهذه الأخلاق اليهودية. ومن جانب آخر فإن النصارى الذين ساروا في أول الأمر على الهدى وعلى الصراط المستقيم واستمسكوا بكل شجاعة بدينهم الذي لم يكن سوى الدين الإسلامي الحنيف.. هؤلاء النصارى ضلوا الطريق لأسباب عديدة، أي سقطوا في الضلالة، لذا دخلوا ضمن صفة "الضالين" لذا، قال الرسول صلى الله عليه و سلم بحقهم «وإن النصارى ضُلاّل» لأنهم قلبوا التوحيد إلى التثليث وغيروا الكتاب وحرفوه، لذا انطبقت عليهم صفة "الضالين" انطباقاً تاماًّ. وسواء أكان الرسول صلى الله عليه و سلم يقصد بهذا التفسير أقواماً معينين أم سلوكاً خاصاًّ، فلو لم يقم بهذا التفسير ما كان باستطاعتنا معرفة هذه الحقيقة المبهمة. وهكذا قام الرسول صلى الله عليه و سلم بهذا التفسير بتوجيه الأنظار إلى بعض الأقوام وكذلك إلى بعض الحالات النفسية المنحرفة، وبين من وقع ولماذا وقع وبأي الأعمال استحق الغضب أو استحق الضلالة بياناً واضحاً. عندما نزلت آية: {الذين آمنوا ولم يَلْبِسوا إيمانَهم بظلمٍ أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} (الأنعام: 82) قلق الصحابة الذين كانوا يعرفون معنى الظلم وأنه الخروج خارج الحق والحقيقة، فقالوا للرسول صلى الله عليه و سلم: وأينا لم يظلم؟ فقال الرسول صلى الله عليه و سلم بأن الأمر ليس كما يظنون، وذكرهم بقول لقمان عليه ااسلام وهو يعظ ابنه: {لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} (لقمان: 13).[2]) عرفنا من تفسيره صلى الله عليه و سلم لهذه الآية أن الظلم المقصود هنا هو الشرك وليس أي ظلم أو تجاوز أو تعدٍ آخر. ولو لم يقم الرسول صلى الله عليه و سلم بهذا التفسير لبقينا إلى الأبد تحت غموض وإبهام. ويُروى عن أمنا عائشة رضى الله عنها وعن ابن مسعود رضى الله عنه أن "الصلاة الوسطى" الواردة في الآية {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} (البقرة: 238) هي صلاة العصر إلى درجة أن عائشة رضى الله عنها كانت تقرأ هذه الآية كما يلي: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين." وقال أبو يونس مولى عائشة رضى الله عنها: أمرتني عائشة رضى الله عنها أن أكتب لها مصحفاً فقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذنّي {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} فلما بلغتها أذنتها فأملت عليّ {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} وصلاة العصر {وقوموا لله قانتين} وقالت: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه و سلم.[3]) 2- قيام السنة بتفسير مجمل القرآن إلى جانب قيام السنة بتفسير مبهم القرآن قامت بتفصيل مجمله أيضاً. مثلاً يأمر القرآن الكريم فيقول: {أقيموا الصلاة} ولكنه لا يوضح إقامة الصلاة ولا أوقاتها. صحيح أن بعض المفسرين رضى الله عنه استنبطوا الصلوات الخمسة من الآية التالية: {وأقم الصلاة طرفَيِ النهار وزُلَفاً من الليل إن الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات} (هود: 114)، إلا أن السنة هي التي حددت أوقات هذه الصلوات التي يذكر الله تعالى بأنها مرتبطة بأوقات معينة: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} (النساء: 103). فهناك حديث يبين أن أوقات الصلاة عينها جبريل عليه ااسلام، أي أن مصدرها سماوي وإلهي، عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «أمّني جبريل عليه ااسلام عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكانت قدر الشِّراك،[4]) وصلى بي العصر حين كان ظلُه مثله، وصلى بي -يعني المغرب- حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، فلما كان الغد صلى بي الظهر حين كان ظله مثله، وصلى بي العصر حين كان ظله مثليه وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل، وصلى بي الفجر فأسفر ثم التفت إليّ فقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين.»[5]) فلما قام رسول الله صلى الله عليه و سلم بتعليم أمته بأوقات الصلاة فهو المرجع الوحيد لأمور كثيرة متعلقة بالصلاة مثل أقسامها من فرض أو واجب أو مستحب أو مكروه وما يفسدها، وشرح ركوعها وسجودها وقراءة التحيات فيها والخروج منها بالسلام. أجل، فهو المفسر الوحيد للصلاة التي جاء الأمر بها في القرآن الكريم بصيغة مجملة وهي {أقيموا الصلاة}، إذ قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي.»[6]) ولو قام القرآن بإعطاء كل تفاصيل الصلاة لزاد حجمه مرتين على الحجم الحالي، لذا ترك إيضاح هذه التفاصيل إلى صاحب الفطنة الكبيرة الذي هو أفضل من فهم عن ربه، وقام فعلاً بنقل هذا الوحي غير المتلو إلينا بالتفصيل المطلوب، وقد أنجز هذا بالفطنة التي تعني تجاوز العقل بالعقل والاستعانة بالإلهام في المواضيع التي يقف فيها العقل. والسنة هي التي شرحت مناسك الحج أيضاً. صحيح أن القرآن تناول موضوع الحج في موضع أو موضعين وقدم بعض الشروح القيمة، ولكن هذه الشروح تناولت جزءاً من مناسك الحج، لذا نرى أن السنة هي التي قامت بتفصيل وشرح جميع مناسك الحج، وهذه التفاصيل هي أضعاف ما ورد في القرآن الكريم. وقد أدى الرسول صلى الله عليه و سلم الحج مرة واحدة، هذا الحج سمي بـ"حجة الوداع" لأنه ودع فيه أصحابه، وأدى مناسك الحج وهو راكب على بغلته بحيث يراه الجميع. شرح كل شيء بكلامه ثم بأفعاله إلى درجة التصريح بكونه صائماً أم مفطراً، وبعد أن أتم هذا قال لهم: «خذوا مناسككم»[7]) مشيراً إلى موقع كلامه وأفعاله في الشريعة. ولا شك أن القرآن الكريم لم يأتِ ناقصاً ولكنه جاء مع مبلغه ومع شارحه ومفسره الرسول صلى الله عليه و سلم. 3- قيام السنة بتخصيص بعض الأحكام تناول القرآن الكريم الميراث بشكل عام فقال: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} (النساء: 11). وهذا الحكم عام يشمل الجميع سواء أكانوا أنبياء أم أولياء أم أصفياء أم من المقربين أم من الناس الاعتياديين، غير أن فاطمة رضى الله عنها عندما راجعت أبا بكر رضى الله عنه بعد وفاة والدها لأخذ ميراثه قرأ أبو بكر رضى الله عنه هذا الحديث الذي سمعه عن والدها النبي صلى الله عليه و سلم: «إنا معشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة.»[8]) كما أن حديث «القاتل لا يَرِث»[9]) يحرم القاتل من الميراث، فمن يقتل والده يحرم من ميراثه ومن يقتل عمه يحرم من ميراثه وكذلك من يقتل خاله أو أخاه. وهكذا قامت السنة بتقييد الحكم العام الذي جاء به القرآن في موضوع الميراث. 4- تقييد السنة لبعض الأحكام تقوم السنة أحياناً بتقييد بعض الأحكام العامة الواردة في القرآن الكريم، فمثلاً يقول القرآن الكريم: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله} (المائدة: 38). هذا أمر مطلق، ولم يتم شرح الشروط والظروف التي يجب توفرها لإجراء هذا العقاب ولا نصاب السرقة ولا مقدار ما يقطع من اليد، وبما أن اليد تمتد من الأطراف حتى المرفق حسب الآية التي تشرح الوضوء[10]) لذا، قامت السنة المطهرة بتقييد الجزء الذي يقطع من اليد، أي قامت بتقييد حكم مطلق في القرآن. وعندما أمر النبي صلى الله عليه و سلم بقطع يد أحد السراق من الكف فقد قيد ما جاء في القرآن في هذا الخصوص من حكم عام. ومثال آخر، يقول القرآن الكريم: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم} (النساء: 29). وتأتي السنة هنا فتقيد هذه الآية في موضوع معين، إذ ورد حديث شريف عن عبد الله بن عمر رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: «لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه.»[11]) وكما قلنا سابقاً فالسنة أساس مستقل في التشريع لكونها تضع أحكاماً غير واردة في القرآن. ومن الأمثلة على ذلك تحريمها لحم الحمر الأهلية ولحوم الضواري وتحريمها الزواج بخالة الزوجة وعمتها. والسنة التي تعد أساساً مستقلاً في التشريع بدأت في إجراء عملها ومهمتها منذ بداية الوحي، والتحمت مع القرآن الكريم، وتم النظر إليها من هذا المنظار من قبل جمهور العلماء وجمهور الأمة. ولكنها تعرضت إلى هجوم من قبل المعتزلة الذين تأثروا بالفلسفة اليونانية مثل النظّام، ومن قبل المستشرقين الحاقدين على الإسلام الذين حاولوا على الدوام تعكير هذا النبع الصافي. وفي القرنين الأخيرين تأثر بعض رجال العلم المسلمين بهؤلاء المستشرقين بسبب مركب النقص عندهم تجاه الغرب، وأصبحوا أداة بيد المستشرقين، وبدأوا باتهام السنة والتهوين من شأنها. غير أن جهود السلف الصالح وما خلفوه من كتب وآثار قيمة استطاعت أن تقف في وجه هذه الحملات، وحافظت على صفاء هذا النبع ونقائه.. نبع السنة النبوية المطهرة. [1] الترمذي، تفسير القرآن، (1) 2؛ «جامع البيان» للطبري 1/61، 64 [2] البخاري، تفسير سورة، (6) 3؛ مسلم، إيمان، 124 [3] مسلم، المساجد، 207؛ الترمذي، تفسير القرآن، (2) 29؛ أبو داود، الصلاة، 5 [4] الشِّراك: النعل المعدني الذي يدق في قدم الحصان. [5] أبو داود، الصلاة، 2؛ الترمذي، المواقيت، 1 [6] البخاري، الأذان، 18؛ «المسند» للإمام أحمد 5/53 [7] مسلم، الحج، 310؛ أبو داود، المناسك، 77؛ النسائي، المناسك، 220؛ «المسند» للإمام أحمد 3/366 [8] البخاري، الاعتصام، 5، الْخُمُس، 1؛ مسلم، الجهاد، 51؛ «المسند» للإمام أحمد 2/463 [9] الترمذي، الفرائض، 17؛ ابن ماجة، الديات، 14 [10] قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم جنباً فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} (المائدة: 6). [11] البخاري، البيوع، 82؛ مسلم، البيوع، 51 |
| < السابق |
|---|



