مقدمة طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 2
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.22

علم الحديث هو العلم الذي يعلمنا أقوال الرسول صلى الله عليه و سلم وأفعاله وأحواله. وقد عد كثيرون القسم ‏التقريري من السنة ضمن أفعال الرسول صلى الله عليه و سلم، ولن نقف عند هذا لأنه لا يهم موضوعنا كثيراً.

والمقصود من أقوال الرسول صلى الله عليه و سلم هو كلامه خارج الوحي المتلو، أما المقصود من أفعاله صلى الله عليه ‏و سلم فهو الأفعال الصادرة منه والتي نحن مكلفون باتباع الجزء الأعظم منها. ومع عدم وجود ضرورة شرعية لاتباع ‏أفعاله المتعلقة بعاداته الشخصية، إلا أن اتباعها بنية خالصة يقلب عاداتنا إلى عبادات ويضفي عليها البركة والثواب.‏

ومع أن هذا النوع الثاني من الأفعال لا يدخل في علم الفقه، إلا أن علم الحديث وقف عنده واهتم به، فأحوال الرسول ‏صلى الله عليه و سلم تدخل في محتوى علم الحديث، ولا تدخل في علم الفقه، فالفقهاء يقولون: إن كانت أحوال الرسول ‏صلى الله عليه و سلم من نوع الأفعال الاختيارية فهي داخلة ضمن الأفعال النبوية أصلاً، ولكن إن كانت شمائله الشريفة ‏وميلاده النبوي والزمان الذي بعث فيه والمكان الذي وجد فيه.. الخ مما جاء في كتب السيرة والتي تشكل أساساً للأحكام ‏الشرعية فهي لا تدخل ضمن مقاصد الفقهاء، ولا تكون من أسس التشريع، بينما يدخل كل ما يخص النبي صلى الله عليه و ‏سلم ضمن علم الحديث وضمن اهتمام أهل الحديث.‏

أما السنة: فهي كل قول أو فعل أو تقرير أضيف إلى الرسول صلى الله عليه و سلم، وتعد عند علماء أصول الفقه ‏مرادفة للحديث.‏

ولا نود الدخول إلى هذا الموضوع الواسع جداً، بل ندعه لأهل الاختصاص، ونقتصر هنا على نظرة سريعة ومجملة على ‏بعض المسائل المهمة المتعلقة بالسنة. السنة هي المنبع الإلهي الثاني للشريعة والذي احتفظ به المسلمون منذ العصر النبوي ‏وحافظوا عليه بجانب كتاب الله وأقبل عليه كبار العلماء في كل عصر في كل شأن وفي كل مسألة.‏

هناك آيات كثيرة في القرآن الكريم تأمر باتباع النبي صلى الله عليه و سلم واتباع سنته إضافة إلى العديد من الأحاديث ‏الصحيحة التي بينت ضرورة هذا الاتباع، ومدى أهمية السنة في التشريع الإسلامي، ونستطيع أن نقول بأنها اتخذت أساساً ‏في الدين وفي الحياة الدينية بجانب القرآن الكريم في كل عصر إلا من قبل بعض المنحرفين القلة الذين لم يخل منهم أي عصر، ‏وهي مرتبطة بالقرآن الكريم ارتباطاً قوياً بحيث لا تستطيع فصل القرآن عن السنة ولا فصل السنة عن القرآن.‏

تقوم السنة بتفسير مبهم القرآن وتفصيل مجمله وتقييد مطلقه وتخصيص عامه، وهذا سبب وعلة اقترانها بالقرآن الكريم ‏واستحالة فصلها عنه.‏

تقوم السنة مثلاً بشرح الصلاة وأركانها وشروطها ودرجة صحتها أو فسادها وسننها وآدابها، وجميع تفاصيل الحج ‏والتمتع والعمرة، والزكاة: نصابها، أنواعها، كيفية أدائها... الخ. كل هذه الأمور وغيرها جاءت مجملة في القرآن فقامت ‏السنة بشرحها وتفصيل أدق أمورها. ومع أن أحكام المواريث جاءت عامة في القرآن، جاءت السنة بشروح لها فذكرت أن ‏الأنبياء لا يورثون وأن القاتل يحرم من الميراث... الخ. من التفاصيل وأحكام التخصيص. كما أن هناك أحكام مطلقة كثيرة ‏جاءت السنة فقيدتها، وأحكام ومسائل لم ترد أبداً في القرآن بل جاءت بها السنة، فتحريم لحم الحمر الأهلية ولحم ‏الحيوانات المفترسة وكذلك تحريم زواج ابن الأخ أو ابن الأخت من الخالات والعمات يمكن إيراده كأمثلة على هذا.‏

لذا، فقد رأت السنة بجانب القرآن منذ العصر الأول حتى اليوم اهتماماً كبيراً، وحوفظ عليها وسجلت ودرست ‏وانتقلت بشكل كتب من الأسلاف إلى الأخلاف.‏

كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يرى إطاعته واتباع سنته جزءاً من الدين، ويريد من الشاهد تبليغ الغائب وانتقال ‏سنته إلى الأجيال القادمة، ويوصي أصحابه بالرفق بالذين يأتون من أماكن بعيدة بقصد سماع الأحاديث، ويشجع على ‏فهم أحاديثه جيداً، لذا نرى أحياناً يكرر كلامه ليساعدهم على فهم وحفظ أحاديثه.‏

لذا، نرى أن الصحابة الكرام -وقد عرفوا أنه بعث لتعليمهم وتربيتهم- يهتمون ليس فقط بالاستماع إلى أحاديثه المتعلقة ‏بأسس الدين وقواعده، بل بكل تفصيل دقيق من تفاصيل حركاته وسكناته وحتى أموره الخاصة، ثم يكررون ما سمعوه منه فيما ‏بينهم ويتداولون أحاديثه فيما بينهم حتى تنطبع في ذاكرتهم أو يسجلونها ويكتبونها. وكانوا يعدون كل كلام صادر منه صلى ‏الله عليه و سلم أبرك ذكرى وأفضل أمانة، ويجتهدون ألا تضيع حكمة واحدة منه، وقامت هذه الجماعة المباركة بحمل هذه ‏الأمانة المقدسة في جو من الثقة والاطمئنان.‏

ثم إنهم ما كانوا يضيعون أي بيان أو ملاحظة أو توجيه، لأنهم كانوا يعرفون أنها توجيهات إلهية نورانية لا يمكن ‏التفريط فيها، وفيها نبع الحياة وسر الوجود.. القلوب صافية، والرسائل والتوجيهات الآنية نضرة وطرية، والقلوب مشتاقة، ‏والأمور التي تتناولها هذه الأحاديث تتعلق بالسعادة الأزلية الخالدة، وما دامت هذه الأحاديث مفتاحاً للسعادة الأبدية ‏فكيف يمكن التهاون في شأنها أو نسيانها أو خلطها مع غيرها. وهكذا كان، فقلوب هؤلاء النفر من الصحابة الذين أقاموا ‏حياتهم على الصدق، وابتعدوا عن كل نوع من أنواع الكذب والغش لم تكن لترضى عن ضياع ذرة واحدة من الصدق، ‏كما كانت مقفلة على جميع ما يخالف الحقيقة والصدق، وعلى فرض المستحيل فلو تدنى أحدهم إلى درك الكذب لتعالت ‏المئات من أصوات الاستنكار والمعارضة وأخرست هذا الكذب وكانت إنذاراً للآخرين كذلك. وقد حدث ما يشابه هذا ‏فعلاً تجاه بعض المتجرئين في حوادث نادرة.‏

أجل، لقد تكفل الصحابة الكرام بمهمة فهم السنة وحفظها، وذلك بتطوير طرق المحاكمة العقلية وطرق التحقيق وعرض ‏كل ما يسمعونه على قواعد النقد، ويستنطقون الراوي ويريدون شهوداً على الرواية وبعد أن يمرروا الحديث على المحك ليقوموا ‏بكتابته وتسجيله.‏

ولم يكن عدد الصحابة الذين كانوا يسجلون ما يسمعونه عن النبي صلى الله عليه و سلم قليلاً، حيث سجلت ‏الأحاديث -مثلما سجل القرآن الكريم وكتب- ولكن بشكل غير رسمي وفي دفاتر خاصة. أما القول بأن تسجيل ‏الأحاديث وكتابتها بدأ في عهد عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه فصحيح ولكنه ناقص، ذلك لأن ما حدث في عهد عمر ‏بن عبد العزيز رضى الله عنه كان تدويناً رسمياً بأمر من الحكومة، ويشبه قيام أبي بكر رضى الله عنه بجمع القرآن الكريم ‏من حفظ حفاظ القرآن وكذلك مما كان مكتوباً على الجلود وعلى الجريد وغيرها، وضم جميع سور القرآن ضمن دفتي ‏كتاب واحد بشكل رسمي.‏

وإلا فإن كل ما كان يصدر عن النبي صلى الله عليه و سلم كان يكتب ويسجل في عهده، ومن الأمثلة على هذا ‏‏"الصحيفة الصادقة" لعبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنه والتي اشتهرت كثيراً فيما بعد، و"الصحيفة" لهَمّام بن مُنَبِّه ‏رضى الله عنه و"المجموع" لزيد بن علي بن الحسين رضى الله عنه، وقد أصبحت هذه الصحائف مصدراً مهما عندما بدأ ‏التدوين الرسمي للأحاديث.‏

وكما اهتم الصحابة بتسجيل الأحاديث وكتابتها، كذلك اهتموا بالحفاظ على أصلها اهتماماً كبيراً، فكانت أمنا عائشة ‏رضى الله عنها تدقق هذه الأحاديث كلمة كلمة، وكان ابن عمر رضى الله عنه يهتم بعدم تغيير حرف واحد عند رواية ‏الحديث، أما ابن مسعود وأبو الدرداء رضي عنهما وغيرهما من كبار الصحابة فكانوا يتحفظون جداً من رواية الأحاديث ‏وتصيبهم القشعريرة خوفاً أن تختلط كلمة من عندهم بكلمات الحديث.‏

وليس من المبالغة القول بأن التابعين أيضاً أبدوا هذه العناية وهذه الدقة وهذا الاهتمام بالأحاديث، ونستطيع أن نعد من ‏هؤلاء سعيد بن المسيب والشعبي وعلقمة والثوري رضى الله عنه. وفي العهود التالية ظهر علم تحقيق السند والمتن وتدوين ‏علم الرجال بحيث صعب تسلل كلمة دخيلة إلى أصل الحديث، ولا أعتقد وجود أمة دققت المتون الدينية عندها مثلما ‏فعلت الأمة الإسلامية.
آخر تحديث ( 2006.09.22 )
 
التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri